وفي الحوار الآتي الذي دار بين حضرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والصحابي الجليل الحارث بن مالك ما يكشف لنا جوهر هذا اللون من الإيمان :
« فقد روى الحارث بن مالك الأنصاري : أنّه مرّ برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال له :
كيف أصبحت يا حارث ؟ قال : أصبحت مؤمنا حقّا ، قال : « انظر ما تقول فإن لكل شئ حقيقة فما حقيقة فما حقيقة إيمانك ؟ فقال عزفت نفسي عن الدنيا ، فأسهرت ليلى وأظمأت نهارى ، وكأني أنظر إلى عرش ربى بارزا ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها ، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضارغون « 1 » فيها . فقال يا حارث عرفت فالزم ثلاثا » « 2 » .
هذا الصحابي الجليل وصل إلى أن كل ما قاله النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد صار حق يقين ، وامتلك البصيرة التي رأى بها كلّ ذلك .
وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْ لا اجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
( 203 ) [ سورة الأعراف ] وهكذا نجد القرآن الكريم بصائر لأصحاب المنزلة والدرجات العالية ، وهدى لأصحاب الاستدلال ورحمة للجميع .
ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك :
[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 204 ]
وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( 204 )
وما دام قد أوضح لك المولى سبحانه وتعالى من قبل أن هذا القرآن بصائر من ربنا
هامش
( 1 ) يتضاغون : أي يرفعون أصواتهم بالصراخ والعويل .
( 2 ) أخرجه الحافظ الطبراني عن الحارث بن مالك الأنصاري .