الناس يقول : إن الحق سبحانه وتعالى يقول :
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا . .
( 118 ) [ التوبة ]
ونتساءل كيف تاب اللّه عليهم ليتوبوا ؟ نقول : تاب عليهم أي شرع لهم التوبة ، فإن تابوا قبل اللّه توبتهم .
إذن فالمسألة تشريع وقبول . وما دام اللّه سبحانه وتعالى يقبل التوبة فهو تواب . إذن فقد قدم الحق هنا للإنسان أسلوبين يصحح بهما مساره ، قد شرع التوبة ، وأذن بقبولها . ومن عظمته لم يقل عن نفسه إنه تائب ولكنه تواب .
فإذا فعل الإنسان معصية وتاب ، قبل اللّه توبته ، وإن غلبه الشيطان أو غلبته نفسه وارتكب معصية أخرى وتاب قبل اللّه توبته أيضا لأنه تواب رحيم .
وأخذت سورة التوبة حيزا مع المشركين وحيزا مع اليهود والنصارى ، وحيزا مع المنافقين ، وكما حددت المؤمنين في آخر السورة ، حددت أيضا مواقف كل من هؤلاء ، وقد كان بيان موقف هؤلاء ضروريا ؛ لأن المنافق مثلا متعارض الملكات ، والكافر منسجم الملكات ، فالمنافق ينطق لسانه عكس ما في قلبه ، والكافر إنما ينطق بما في قلبه ، ولكن المنافق والكافر يتفقان في عداوة المؤمن . ولذلك فضح اللّه سبحانه وتعالى هؤلاء الأعداء وأظهر ما في أعماق الكافرين والمنافقين وخصومتهم للإسلام ، وحاز المنافقون قسطا وافرا من السورة لأنهم ادعوا الإيمان واقتربوا من المسلمين ، وخصومة القريب أشد على النفس ، فما بالنا بخصومة الإنسان مع نفسه ؟ !
هكذا كان حال المنافقين الذين عاشوا بين المسلمين وملكاتهم متعارضة وخصومتهم للمؤمنين أشد ؛ لأنهم يتظاهرون بالإيمان ، ويضمرون الكفر .
ولذلك كانت معظم آيات هذه السورة تفضح حال المنافقين وتظهر ما أضمروه من بغض وعداوة لأنهم أشد خطرا على الدين من الكفار .
واللّه سبحانه وتعالى يعطينا في هذه السورة صورة لتمرد نوع من خلق اللّه من بنى الإنسان .