إذن فكان من الطبيعي أن تأتى سورة التوبة بعد سورة الأنفال ؛ لأن سورة التوبة متممة لسورة الأنفال . وسورة التوبة تتعرض للقطيعة ، وتبدأ بقول اللّه تبارك وتعالى :
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . .
( 1 ) [ التوبة ]
وهذه البداية لا تتناسب مع قوله تعالى :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ *
( 1 )
لأن
« بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » *
أمان وهذه براءة ، وقيل في عدم تسميتها سورة براءة وتسميتها سورة التوبة لأن القطعية هنا بين اللّه وبعض عباده الذين ضلوا واختاروا الكفر والنفاق ؛ ولأنه رب رحيم أراد أن يفتح لعباده الذين أبقوا باب الرجوع إليه بالتوبة ؛ فسميت السورة سورة « التوبة » وقد بدأت السورة بقوله تعالى :
« بَراءَةٌ »
واسمها التوبة حتى تسبق التوبة البراءة . ولذلك نجد فيها آيات التوبة في قول اللّه تعالى :
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ . .
( 117 ) [ التوبة ]
وفي آية أخرى :
ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا . .
( 118 ) [ التوبة ]
وفي آية ثالثة :
وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ . .
( 15 ) [ التوبة ]
إذن فعلى الرغم من أن السورة بدأت بالبراءة إلا أنها جاءت بالتوبة رحمة منه ؛ وقبولها منه تعالى رحمة بالناس .
فالله يشرع التوبة ويفتح بابها فضلا منه ورحمة ، فلو لم يشرعها اللّه ما قبلت توبة أبدا ؛ ولو عن معصية واحدة . والذي ييأس من التوبة وغفران الذنوب يشتد في المعاصي وينغمس فيها ويحدث نفسه بأنّه ما دامت معصية واحدة سوف تدخله النار ، فلا فرق بين معصية وألف . ولا بد - إذن - أن يرتكب كل يوم جريمة ؛ لأن ذنبا واحدا أخرجه من الرحمة ، وشاء سبحانه وتعالى أن يفتح باب التوبة ليمنع شراسة الإجرام في المجتمع ، فكل عاص يمكنه أن يعود بالتوبة إلى الإيمان ، ويعيش المجتمع في أمان وسلام . وهكذا كان تشريع التوبة رحمة ، وقبولها من اللّه رحمة . ولذلك بعض