إذن فالانتماء الأول للمسلم هو انتماء الإيمان ، وللإنسان انتماءات أخرى ؛ ينتمى لوطنه ولأهله ولأولاده ولماله ، ولكن الانتماء الأول يجب أن يكون لله تعالى ، بحيث يترك الناس أوطانهم وأموالهم وأهلهم إذا كان الإيمان يقتضى ذلك . والإنسان المؤمن هو الذي يترك اختياره فيختار ما أمر به اللّه عز وجل ، ويجعل كل ما يملكه في خدمة ذلك ؛ فيجاهد بنفسه لأن اللّه أمره بذلك ، ويجاهد بماله لأن اللّه أمره بذلك . إذن فالمؤمن الحق لا انتماء له إلا لله . فالذين هاجروا والذين آووا ونصروا ، تركوا أموالهم وأولادهم وكل ما يملكون حبا في اللّه وطاعة له .
فالأنصار لم يهاجروا ولكنهم وضعوا كل إمكاناتهم في إيواء المهاجرين حبا لله ؛ فتنازلوا عن مساكن لهم وأموال لهم ، وتنازلوا عن زوجاتهم في سبيل اللّه كل منهم مؤمن حقا ، أما الفئة الثانية فهناك نقص في إيمانهم ؛ ذلك أنهم لم يهاجروا رغم إسلامهم وفضلوا أن يبقوا مع أولادهم وأهلهم . ولذلك قال اللّه سبحانه وتعالى عنهم :
ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ
( من الآية 72 سورة الأنفال )
أي ليس مطلوبا أن توالوهم ، لكن إذا استنصروكم في الدين فعليكم النصر ، لماذا ؟ لأنهم لم يتركوا الانتماءات الأخرى مثل المال والولد والأهل ومكان الإقامة . والفئة الثالثة هم الذين جاءوا بعد ذلك ، لم تكن هناك هجرة ليهاجروا ولكن من آمن منهم وجاهد وترك اختياره وخضع لاختيار اللّه خضوعا تاما يكون كالمؤمنين الأوائل ؛ لأنهم تركوا كل الانتماءات من أجل اللّه تعالى . ثم يختتم الحق سبحانه سورة الأنفال بهذه الآية الكريمة :
وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
( 75 )
( سورة الأنفال )