ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك :
[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 75 ]
وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 75 )
إذن فمن آمن بعد هؤلاء الأولين وهاجر وجاهد له أيضا مغفرة ورزق كريم .
هكذا حدد الحق سبحانه وتعالى فئات المؤمنين وجعل لكل فئة مقامها ، فالذين آمنوا هم جميعا قد انتموا انتماء أوليا إلى اللّه ، ولذلك نجد أن الحق سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان مقهورا في أشياء ومختارا في أشياء يفعلها أو لا يفعلها ، والمؤمن يختار ما أراده اللّه تعالى له ؛ ففعل ما قال له : « افعل » ، ولم يفعل ما قال له : « لا تفعل » ، فكأنه اختار مرادات اللّه في التشريع .
إن معنى الإيمان أن يستقر في قلبك وأن تؤمن أن اللّه تعالى بكل صفات كماله خلق لنا هذا الكون وخلقنا ، وأننا جئنا إلى هذا الكون فوجدناه قد أعد لنا إعدادا جيدا ، كل ما فيه مسخر لخدمة الإنسان ، وأعطانا اللّه سبحانه وتعالى الاختيار في أشياء ، وجعلنا من رحمته مقهورين في أشياء .
مثلا دقات القلب والدورة الدموية وأجزاء جسمك الداخلية مقهورة لله عز وجل لا دخل لاختيارك فيها ، وكذلك التنفس فأنت تتنفس وأنت نائم ولا تعرف كيف يحدث ذلك ، ولكن الأفعال التي تصدر منك بعد فكر ، تلك هي الأفعال التي جعل اللّه لك فيها اختيارا . ولو أرادك الخالق أن تكون مقهورا لفعل ، ولو أراد أن يؤمن الناس جميعا لفعل ؛ ولكنه سبحانه وتعالى ترك لهم الاختيار ؛ فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ؛ ليعرف من من عباده أحب اللّه فأطاعه في التكليف ، ومن من الخلق قد عصاه .