رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وصحابته في هذه القصة ، أراد سبحانه وتعالى أن يصنف الأمة الإسلامية المعاصرة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى عناصرها ، ونعلم أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صاح بالدعوة الإسلامية في مكة ، ومكة هي مركز سيادة العرب ، وكانت قبيلة قريش هي سيدة جميع قبائل العرب وسيدة الجزيرة كلها ، لأن قريشا سيدة مكة ، ومكة فيها بيت اللّه الحرام ، وكانت كل قبيلة من قبائل العرب يكون بعض من أبنائها في بطن سيادة قريش خلال الحج ، وما دامت كل قبيلة تذهب إلى مكة فهي تطلب حماية قريش ، ولم توجد قبيلة تعادى قريشا أو تجرؤ على مهاجمتها ؛ لأنها تعلم أنه سيجئ يوم تكون فيه تحت حماية قريش وتحت رحمتها حين حج إلى بيت اللّه الحرام .
إذن فسيادة قريش نشأت من وجود البيت . ولو أن هذا البيت لم يكن موجودا لكان مركز قريش كمركز أي قبيلة من العرب ، ولو أن البيت قد هدم من أبرهة ، لكانت سيادة قريش قد انتهت . ولذلك نجد الحق سبحانه وتعالى يقول في سورة الفيل :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ ( 1 ) أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ( 2 ) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ ( 3 ) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ( 4 ) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ
( 5 )
( سورة الفيل )
ثم تأتى بعدها مباشرة السورة الكريمة التي توضح لنا أن اللّه سبحانه وتعالى حين حفظ بيته وفتك بجيوش المعتدين فجعلهم كعصف مأكول ، قد أكد هذه السيادة لقريش فيقول تبارك وتعالى في السورة التي سميت باسمها :
لِإِيلافِ قُرَيْشٍ ( 1 ) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ ( 2 ) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ ( 3 ) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ
( 4 )
( سورة قريش )