إذن فالذي أعطى السيادة لقريش هو بيت اللّه الحرام . ولذلك تذهب قوافلهم بالتجارة لليمن والشام ولا يجرؤ أحد من القبائل أن يتعرض لها . ولو لم يكن بيت اللّه الحرام في مكة وقريش سادة مكة ؛ لما كان لهم هذا الوضع المتميز والمكانة العالية ، إذن فعز قريش في بيت اللّه الحرام ، وأمنهم وسيادتهم في أنهم جالسون في راحة وتتنقل قوافلهم إلى الشام وإلى اليمن . ثم تعود محملة بالخير والربح وهم آمنون مطمئنون . وحين أعلن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دعوته كان ذلك الإعلان في مكة ، وقد أعلنها صلّى اللّه عليه وسلّم في وجه الجبابرة وأقوياء الجزيرة العربية كلها . ولو كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قد بدأ دعوته في قبيلة ضعيفة خارج مكة لقالوا : استضعفهم وغرر بهم ، أو لقالوا يريدون به السيادة ، أي أنهم كقبيلة مستضعفة لم يأخذوا رسالة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إيمانا ، ولكنهم أخذوها سلما ليسودوا بها الجزيرة العربية . ولكن شاء الحق تبارك وتعالى أن يكون ميلاد الرسالة في مكة وأول من سمعها هم سادة قريش ؛ لتأتي في مركز السيادة ويكون المراد بها هو الحق ، وإعلاءه في وجه سادة الجزيرة العربية .
ثم كانت المعركة بين سادة قريش والإسلام وآذوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم والذين معه وحاولوا إيقاف الدعوة بكل الطرق وشتى الحيل . لكن هل انتصروا ؟ ثم هل امتد الإسلام وانتشر من مكة ؟ . لا ، بل كانت الهجرة إلى المدينة ، ومن هناك امتد الإسلام .
إذن فقد بدأ الإسلام من مكان السيادة في الجزيرة العربية ، ولكنه انتشر من مكان لا سيادة فيه ، لماذا ؟ لأن الإسلام لو انتشر من مكة لقالوا : قوم ألفوا السيادة على الناس ، وتعصبوا لواحد منهم ؛ ليمدوا سيادتهم من الجزيرة العربية إلى أماكن أخرى في العالم . ولكن النصر جاء من المدينة لتعلم الدنيا كلها : أن الإيمان بمحمد هو الذي خلق العصبية لمحمد ، وهو الذي حقق النصر لمحمد ،
تفسير الشعراوى — صفحة 4816
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٤٨١٦