تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوى — صفحة 4806

مساهمون:

ص٤٨٠٦
إذن فالعباس قد وقف موقفا لا بد أن يجازى بمثله ، ورغم أنه كان كافرا وقتئذ ، إلا أن الكفر لم يمنع عاطفة العباس أن ينجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وكذلك رد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الموقف بمثله ؛ لأن المبدأ الإسلامي واضح في قول الحق :
وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها
( من الآية 86 سورة النساء ) فلا يؤخذ هذا التصرف - إذن - على أنه مجاملة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لعمه ، ولكنها حق على رسول اللّه من موقف العباس في بيعة العقبة . وقال له الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : يا عباس افد نفسك وابني أخيك عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث وحليفك عقبة بن عمرو بن جحدم أخا بنى الحارث بن فهر ؛ فإنك ذو مال . فقال : يا رسول اللّه إني كنت مسلما ولكن القوم استكرهونى . فقال رسول اللّه : اللّه أعلم بإسلامك إن يكن ما تذكر حقا فالله يجزيك به . أما ظاهر أمرك فقد كان علينا فافد نفسك . وكان المسلمون قد أخذوا من العباس عشرين أوقية من ذهب كغنيمة ، فقال العباس : يا رسول اللّه احسبها لي في فدائى ، فقال الرسول : لا ، ذلك شئ أعطاناه اللّه عز وجل منك . قال العباس : فإنه ليس لي مال . لقد جعلتني يا محمد أتكفف قريشا ، فضحك النبي وقال : فأين المال الذي وضعته بمكة حيث خرجت من عند أم الفضل بنت الحارث ليس معكما أحد ، ثم قلت لها : إن أصبت في سفري هذا ؛ فللفضل كذا وكذا ، ولعبد اللّه كذا وكذا ، ولقثم كذا وكذا ، ولعبيد اللّه كذا وكذا . قال العباس : والذي بعثك بالحق ما علم هذا أحد غيرى وغيرها ، وإني لأعلم أنك رسول اللّه . ففدى العباس نفسه بأربعة آلاف درهم ، وفدى كلا من ابني أخيه وحليفه بألف لكل منهم . « 1 » إذن ففي التقييم المادي دفع العباس أربعة أمثال ما دفعه الأسير العادي كفدية .
هامش
( 1 ) القرطبي وابن كثير مع اختلاف في بعض العبارات .