فدخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم البيت ، فقال أناس : يأخذ بقول أبى بكر ، وقال أناس : يأخذ بقول عمر ، وقال أناس : يأخذ بقول عبد اللّه بن رواحة ، ثم خرج فقال : إن اللّه تعالى ليلين قلوب أقوام فيه حتى تكون ألين من اللبن « 1 » ، وإن اللّه تعالى ليشد قلوب أقوام فيه حتى تكون أشد من الحجارة .
مثلك يا أبا بكر في الملائكة مثل ميكائيل ينزل بالرحمة ، ومثلك في الأنبياء مثل إبراهيم قال :
فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
« 2 » ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى بن مريم إذ قال :
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
« 3 » ، ومثلك يا عمر في الملائكة مثل جبريل ينزل بالشدة والبأس والنقمة على أعداء اللّه تعالى ، ومثلك في الأنبياء مثل نوح إذ قال :
رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً
« 4 » ومثلك في الأنبياء مثل موسى ، إذ قال :
رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ
« 5 » لو اتفقتما ما خالفتكما ، أنتم عالة « 6 » فلا يفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق ، ومن بين الأسرى كان عدد من أغنياء قريش .
وسبق له صلّى اللّه عليه وسلّم أن استشار الصحابة في معركة بدر . وحدث أن اختار رسول اللّه عليه الصلاة والسّلام أماكن جيش المسلمين ، فتقدم أحد الصحابة وهو الحباب بن المنذر بن الجموح إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقال له يا رسول اللّه : أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكه اللّه ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ . فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : بل هو الرأي والحرب والمكيدة . فأشار الحباب بن المنذر بتغيير موقع المسلمين ليكون الماء وراءهم فيشربوا هم ولا يشرب الكفار .
هامش
( 1 ) الواقدي 1 / 110 : « ألين من الزبد » .
( 2 ) سورة إبراهيم : الآية 36 .
( 3 ) سورة المائدة : الآية 118 .
( 4 ) سورة نوح : الآية 26 .
( 5 ) سورة يونس : الآية 88 .
( 6 ) الواقدي 1 / 109 : « وإن بكم عيلة » .