حاسة اللمس ؛ لأنك باللمس لا تستطيع أن تحكم على حقيبة بأنها خفيفة والأخرى ثقيلة ، ولا بحاسة الشم أيضا .
إذن فكل وسائل الإدراك عاجزة عن أن تدرك خفة الشئ أو ثقله ، فبأي شئ ندرك ؟ . ونقول : قد اهتدى علماء وظائف الأعضاء أخيرا إلى أن الثقل والخفة لهما حاسة هي حاسة العضل ، فحين يجهد ثقل ما عضلات الإنسان ويحملك مشقة أنه ثقيل ، فهو يختلف عن ثقل لا يؤثر على العضل ولا تحس فيه بأي إجهاد ؛ لأن هذا الثقل يكون خفيفا .
إذن فهناك وسائل للإدراك لم نكن نعرفها في الماضي واكتشفها العلم الحديث . أنت مثلا حين تمسك قماشا بين أصابعك تقول : هذا قماش كثيف أو سميك وهذا خفيف أو رقيق ، ما هي الحاسة التي عرفت بها ذلك ؟ نقول : إنها حاسة « البين » فقد ابتعدت أصابعك قليلا في القماش الثقيل ، وقربت من بعضها في القماش الرقيق ، وقد يصل الفرق إلى ملليمتر واحد أو أقل لا تدركه بالنظر ؛ ولكن تدركه بحاسة البين .
وإياكم أن تحسبوها رياضيا وعدديا وتقولوا إن النصر بالعدد ؛ لأنكم بذلك تعزلون أنفسكم عن اللّه ، أو إنّما تفتنون بالأسباب ، فكل نصر هو بإذن اللّه ومن عند اللّه تبارك وتعالى .
ولماذا لم يقل الحق سبحانه : علم فيكم ضعفا وخفف عنكم ؟ لأنه سبحانه وتعالى أراد أن يكون الترخيص في الحكم أثبت من الحكم ، على أن هذا التخفيف قد يعود إلى عدة أسباب ؛ منها أن حكم اللّه أزلي . ولذلك وضع اللّه سبحانه وتعالى حدا أعلى يتناسب مع قوة الإيمان في المسلمين الأوائل ، وحدا أدنى يتناسب مع ضعف الإيمان الذي سيأتي مع مرور الزمن ، أو يتناسب مع العزوف عن الدنيا بالنسبة للمسلمين الأوائل ، وعلى الإقبال على الدنيا بالنسبة لأولئك الذين سيأتون من بعدهم ، أو مع قلة الفتن التي كانت في عصر النبوة وكثرة الفتن في عصر كالذي نعيش فيه .
تفسير الشعراوى — صفحة 4801
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٤٨٠١