ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى الحيثية لذلك فيقول تعالى :
[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 53 ]
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 53 )
و
« ذلِكَ »
إشارة إلى ما تقدم ، وأنت إن نظرت إلى بداية البشرية تجد أن اللّه تعالى خلق آدم ليجعله خليفة في الأرض ، وخلق حواء لإبقاء النوع الإنسانى .
وقبل أن ينزل آدم على الأرض أعطاه اللّه سبحانه وتعالى المنهج ، ومن آدم وحواء بدأت ذريتهما ، ولو ساروا على المنهج الذي علمه آدم لهذه الذرية ، لصارت البشرية إلى سعادة . ولكن الذرية تغيرت ، وجحدوا النعمة وأنكروا أنّ للنعمة خالقا ، فهل يبقى اللّه عليهم الأمن والسلامة والنعم ما داموا قد تغيروا ؛ لا . بل لا بد - إذن - أن يغير اللّه نعمه عليهم ، وإلا لما أصبح هناك أي منطق للدين ؛ لأن الإنسان قد طرأ على النعم ، بمعنى أن اللّه لم يخلق الإنسان ثم خلق له النعم . بل خلق النعم أولا ثم جاء الإنسان إلى كون أعد له إعدادا كاملا ؛ وفيه كل مقومات الحياة واستمرار الحياة . وظل الإنسان فترة طويلة في طفولة الحياة يرتع في نعم اللّه ، فقبل أن يعرف الزراعة ؛ وجد الثمار التي يأكلها . وقبل أن يعرف كيف يبحث عن الماء وجد الماء الذي يشربه ، وعلمه اللّه كيف يعيش . وذلل له من الحيوان ما يعطيه اللبن واللحم ، وكل هذه النعم وغيرها كان لا بد أن يأخذها الإنسان بالشكر واستمرار الولاء لله الخالق المنعم .
ولكن الإنسان جحد نعمة اللّه تعالى وجحد المنعم ، أتبقى له سعادة وحياة مطمئنة في الأرض ؟ طبعا لا ، وما دام الإنسان قد غير ، لا بد أن يغير الحق النعمة إلى نقمة ، ومن رحمته سبحانه أنه شاء أن يكون الإنسان هو البادئ ، فالحق سبحانه منزّه أن يكون البادئ بالظلم ، بل بدأ الإنسان يظلم نفسه .