بل تم ذلك بتفريغ الهواء . فكيف استطاعت هذه الهندسة العجيبة أن تفرغ الهواء بين حجرين كبيرين ضخمين ؛ ليلتصقا ببعضهما التصاقا محكما بغير لاصق ولا يستطيع أحد أن يزحزحه ، فإذا كانت حضارة الفراعنة قد وصلت إلى هذا الفن الهندسى باستخدام تفريغ الهواء بين أثقال ضخمة فهي حضارة راقية جدا . هذا إن نظرت إلى فن البناء فقط ، وكذلك إن نظرنا إلى تحنيط الجثث التي لا يعرف أحد سرها حتى الآن ، وكيف أمكن المحافظة على المومياوات آلاف السنين دون أن تتحلل . وكذلك إن نظرت إلى الألوان التي طليت بها المعابد والرسومات وبقيت زاهية كما هي رغم كل ذلك الزمن الطويل ، وإلى الحبوب التي حنطت وبقيت آلاف السنين دون أن يصيبها أي تلف ، بل وصالحة للطعام ، هذه الحضارة التي احتفظت بأسرار هذه الأشياء فلم تصل إليها البشرية حتى الآن ، لا بد أن تكون حضارة قوية وعالية ، ولكنها رغم قوتها وعلوها لم تستطع أن تحفظ نفسها من الانهيار لتصبح أثرا وتظل آثارا .
أين ذهب صناع هذه الحضارة وقد بلغوا شأوا كبيرا وملكوا زمام الدنيا في عصرهم ؟ لا بد - إذن - من وجود قوة أعلى منهم ، قد دكتهم . ولماذا أتى اللّه بآل فرعون في هذه الآية بالاسم بينما أتى بالحضارات التي كانت قبلهم إجمالا ؟ ، فقال تعالى :
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
( من الآية 52 سورة الأنفال )
لأن آثار آل فرعون قد كشف اللّه عنها ورغّب فيها البشرية كلها ؛ ليأتوا ويروا تلك الحضارة الهائلة التي لم تستطع أن تحمى نفسها ، وذلك الفرعون الذي ادعى أنه إله ولم يستطع أن يضمن لنفسه البقاء . وشاء اللّه سبحانه أن تبقى آثار هذه الحضارة ليشاهدها الناس جميعا ، ثم يروا أن اللّه عز وجل قد