أي لو أن المؤمنين اتفقوا مع الكفار على موعد ومكان ، لجاء بعضهم متأخرا عن الموعد أو منحرفا عن المكان ، ولكن اللّه سبحانه وتعالى هو الذي حدد موعد المعركة ومكانها بدقة تامة فتم اللقاء في الموعد والمكان المحددين ليتم الأمر كما قدره اللّه سبحانه وتعالى ، والأمر هو معركة بدر ، وليلقى المؤمنون الكافرين ، لينتصروا عليهم .
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ
( من الآية 42 سورة الأنفال )
وهل يعنى قول الحق
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ
أن الهلاك هنا هو الموت ؟ لقد مات أيضا بعض المؤمنين واستشهدوا . وقول الحق :
وَيَحْيى مَنْ حَيَّ
وهل الحياة هنا تعنى مجرد البقاء على قيد الدنيا ؟ . لقد عاش أيضا من الكفار كثير رغم أنهم خاضوا معركة بدر . إذن فليس معنى الهلاك هنا الموت ، وليس معنى الحياة النجاة ، ولكن قول الحق :
لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ
تنطبق على الكفار سواء الذين ماتوا أو الذين نجوا ؛ لأن الهلاك هنا هلاك معنوي ، فمن قتل من الكفار هلك . ومن نجا هلك أيضا ؛ لأنه بقتاله المؤمنين قد أورد نفسه مورد التهلكة بالعذاب الذي ينتظره في الآخرة ، إلا إذا أدركته رحمة اللّه وآمن قبل أن يأتي أجله . والذين حيوا هم المؤمنون ، والمراد - إذن - ليكفر من كفر ، ويؤمن من آمن عن يقين .
ولقد قلنا من قبل : إنّ الحق سبحانه وتعالى أطلق الحياة على معان متعددة ، فهناك الحياة التي فيها الحركة والحس ، وهذه تتحقق ساعة أن تدخل الروح الجسد ليكون للإنسان حياة . وهذه الحياة هي للمؤمن والكافر . ولكن الحياة بهذا الشكل ؛ حياة منتهية إلى موت غير موقوت ننتظره في أي لحظة . ولكن الحياة المطلوبة لله هي الحياة التي لا يأتي فيها موت . ولا يكون فيها تعب وشقاء ، تلك هي الحياة الآخرة ، ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى :