لكن يجب ألّا يفت ذلك في عضدكم .
لقد كان المسلمون الأوائل قلة تعاني من إذلال واضطهاد الكافرين الأقوياء .
وكان المسلم من الأوائل لا يجد أحيانا من يحميه من اضطهاد المتجبرين ، فيلجأ إلى كافر يتوسم فيه الرحمة ويقول له : أجرني من إخوانك الكفرة . وحين بلغ الضعف بالمسلمين الأوائل أشده ، ولم يجدوا حاميا لهم من ظلم وتعذيب الكفار ، عرض عليهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يهاجروا إلى الحبشة ؛ لأنّ فيها ملكا لا يظلم عنده أحد . وكانت الهجرة إلى الحبشة هربا من قوة الخصوم ، ولم يظل حال المسلمين كذلك ، بل نصرهم اللّه لا بقوتهم ، ولكنه سبحانه وتعالى شاء لهم أن يأخذوا بأسباب منهجه فانتصروا وعلت كلمة اللّه عز وجل .
إننا نتخذ من هذه المسألة حجة ومثلا نواجه به من يشككون في قدرة المسلمين على إدارة الحياة والارتقاء بها ؛ لأن العالم كله قد شهد ألف عام كان المسلمون فيها هم قادة العلم والفكر والابتكار ، وكانت غالبية الدول تخضع لحكم دولة الإسلام .
لقد سبق أن قلت : إن هارون الرشيد الخليفة المسلم بعث لشارلمان ملك فرنسا بهدية هي ساعة دقاقة بالماء ؛ تم تصميمها بدقة عالية تفوق طاقة خيال الناس في فرنسا ، ولحظة أن شاهدوها في فرنسا ظنوا أن الشياطين هي التي تحركها ؛ لأن التقدم العلمي والتطبيقي في بغداد في ذلك الوقت فاق كل التصور الأوربى حيث كانوا يعيشون في تخلف علمي شديد .
لكن المسألة انعكست في زماننا هذا وصرنا نعانى من تخلف في الأخذ بأسباب اللّه للاستفادة بالعلم ، فحين جاء « الراديو » وجاء « التليفزيون » إلى بعض البلاد الإسلامية ، وجدنا من يقول عن الراديو : إن بداخله شيطانا يتكلم ويلوّن ويغير من صوته . ولم يغير أصحاب هذا الرأي اندهاشهم ورفضهم
تفسير الشعراوى — صفحة 4658
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٤٦٥٨