وحتى لو أسمعهم اللّه عز وجل لتولوا هم عن السماع وأعرضوا عنه ؛ لأنه سبحانه وتعالى يعلم أنهم اختاروا أن يكونوا شرّا من الدواب عنده ، وهم الصم الذين لا يسمعون دعوة هداية ، وبكم لا ينطقون كلمة توحيد ، ولا يعقلون فائدة المنهج الذي وضعه اللّه تعالى لصلاح دنياهم وأخراهم .
ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك :
[ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 24 ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 24 )
وهنا نقل المسألة من سماع إلى استجابة ؛ لأن مهمة السماع أن تستجيب .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ
أي استجيبوا لله تعالى تشريعا ، وللرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بلاغا ، وغاية التشريع والبلاغ واحدة ، فلا بلاغ عن الرسول إلا بتشريع من اللّه عز وجل ، بل وللرسول صلّى اللّه عليه وسلّم تفويض بأن يشرع . ورسول اللّه لم يشرع من نفسه ، وإنما شرع بواسطة حكم من اللّه تعالى حيث يقول :
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
( من الآية 7 سورة الحشر )
وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - : نسمع أن فلانا قد فصل لأنه غاب خمسة عشر يوما عن عمله في وظيفته ، ويعود المحامي إلى الدستور الذي تتبعه البلد فلا يجد في مواد الدستور هذه الحكاية ، ويسمع من المحامي الأكثر خبرة