حق الاختيار في التجربة الحياتية العملية . وأضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - تجد أبا يعاني من مأساة فشل ابنه في الدراسة أو في الاعتماد على نفسه في الحياة ، ويحيا الولد لاهيا غير مقدر لتبعات الحياة ، فيقول أصدقاء الوالد له :
لماذا لا تقيم لابنك مشروعا يشغله بدلا من اللهو ، فيرد الأب : إنني أعرف هذا الولد ، سيأخذ المشروع ليبيعه ويصرف ثمنه على اللهو . والأب يقول ذلك بتجربته مع الابن . لكن ألا يحتمل أن يكون هذا الابن قد ملّ الانحراف واللهو وأراد أن يتوب ، أو على الأقل ليثبت للناس أن رأى والده فيه غير صحيح ؟
لذلك نجد الأب يفتح لابنه مشروعا ، لكن الولد يغلبه طبعه السيئ فيبيع المشروع ليصرف نقوده في الفساد .
هل حدث ذلك من نقص في تجربة الوالد ؟ لا ، بل عرف الأب عدم الجد عن ابنه ، وسهولة انقياده لهواه . فما بالنا بالحق الأعلى العليم أزلا بكل ما خفى وما ظهر من عباده ؟ .
ولكنّه سبحانه وتعالى شاء ألا يحاسب عباده بما علمه أزلا ، بل يحاسبهم سبحانه وتعالى بما يحدث منهم واقعا ، فهو القائل :
وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ
( 11 )
( سورة العنكبوت )
فسبحانه وتعالى العالم أزلا ، لكنه شاء أن يعلم أيضا علم الإقرار من العبد نفسه ؛ لأن اللّه لو حكم على العباد بما علم أزلا ، لقال العبد : كنت سأفعل ما يطلبه المنهج يا رب . لذلك يترك الحق الاختيار للبشر ليعملوا على ضوء اختياراتهم ويكون العمل إقرارا بما حدث منهم .
وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ
( 23 )
( سورة الأنفال )