وهكذا انتقلت النسبة بين المؤمنين والكافرين من واحد لعشرة ، إلى مؤمن مقابل اثنين من الكفار ، وهذا من رحمة اللّه تعالى ، فمن رأى نفسه في مواجهة أكثر من اثنين من الأعداء يوضح له الحق تعالى : عليك أن تنحاز إلى فئة من المؤمنين تعصمك من نيلهم منك بلا ثمن .
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ
( من الآية 16 سورة الأنفال )
وعرفنا أن المتحرف للقتال هو صاحب الحيلة ، ونقول في ألفاظنا التي تجرى على ألسنتنا في حياتنا اليومية : « فلان حريف » أي لا يغلبه أمر ويحتال عليه ، وهكذا يكون المتحرف في القتال الذي يكيد للكافرين ويدبر لهم أشياء فيظنون الانهزام ، وهي في الواقع مقدمات للنصر ، وقوله سبحانه :
« أَوْ مُتَحَيِّزاً »
مأخوذ من « الحيز » ، وهو المكان الذي يشغله الجسم ، وكل واحد منا له « حيز » في مكان يشغله ، أي أن كل واحد منا متحيز ، والحيز هو الظرف المكاني الذي يسع الإنسان منا واسمه ظرف مكان ، وكل واحد من المخاطبين له مكان وهو متحيز بطبيعته ، وجاءت كلمة « متحيز » في هذه الآية لتوجه كل مؤمن مقاتل أن يأخذ لنفسه حيزا جيدا يمكنه من إصابة الهدف ، وكذلك تفيد ضرورة انضمام المقاتل دائما إلى فئة مع إخوانه بهدف تقوية المواجهة مع العدو . ومن لا يفعل ذلك فعليه أن يتلقى العقاب من اللّه ، وقد بينه تعالى في قوله سبحانه :
فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ
( من الآية 16 سورة الأنفال )
و
« باءَ »
تعنى رجع ، والتعبير الأدائى في القرآن الكريم مناسب لما فعلوه ؛