والمؤمن حين يجد أمامه أشياء كثيرة ، قد يوجد شئ جميل وآخر ليس له من الجمال شئ ؛ فالجاموسة أقل في الجمال من بعض الحيوانات التي حرم اللّه أكلها ، وأقبل المؤمنون على ذبح الجاموسة ليأكلوا منها ، ولم نسمع عن مسلم تقدم إلى حيوان حرم اللّه أكله ليذبحه ، لماذا ؟ لأن المؤمن يقبل على ما أحل اللّه ، وهذا الإقبال دليل على أنه ذكر في نفسه المحلل والمحرم وهو اللّه ، إذن اختياره حيوانا للذبح دليل على أنه ذكر اللّه في النفس أو في القول ، وبهذا نتفق على أن ذكر المؤمن يكون في قلبه قال أو لم يقل ، وينتهى الخلاف في هذه المسألة . إذن الإمام الشافعي أخذ بهذه المسألة ؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام حينما سئل عن أكل المسلم من ذبيحة لا يعرف من ذبحها وهل سمّى أو لم يسمّ ، أوضح لمن سأله : سمّ وكل .
فالإنسان منا لا يحضر وقت الذبح دائما ، ويكفيه أن يستحضر المحلل والمحرم ساعة الأكل . والحق سبحانه وتعالى يوضح لنا : اذكروا اسم اللّه ، وسبحانه يعلم أنك تقبل على أشياء لتفعلها . وهذه الأشياء تنقسم إلى قسمين : قسم يمر على بالك قبل أن تفعله ، وقسم لا يمر على بالك ، بل تفعله تلقائيا بدون ما يمر على البال ، ومثال ذلك الأفعال العكسية كلها التي يفعلها الإنسان إنها لا تمر على باله .
فلو حدث أن حاول واحد أن يضع إصبعه في عين آخر ، فهذا الآخر يغمض عينيه تلقائيا . ويختلف ذلك عن الفعل الذي تفكر فيه قبل أن تفعله . فالذي يفعل الفعل بعد أن يمر بخاطره هو فعل ذو بال . ولذلك أراد الرسول عليه الصلاة والسلام ألا يكلفنا عناء أو مشقة ؛ فقال :
« كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم اللّه الرحمن الرحيم أقطع » « 1 » .
والأمر ذو بال هو الأمر الذي يكون قد خطر على بالك أن تفعله أو لا تفعله . إذن فالله سبحانه وتعالى لا يكلفنا إلا عند الأمر الذي يمر على الخاطر ؛ لأنك حين تقبل على أي فعل فينفعل لك كما تريد ، إن هذا من عطاء اللّه لك ، وأنت حين تذبح عجلا ، أو خروفا ، وتتأمل أنت كيف يقدرك اللّه على هذا الكائن الحي . وإنك لم تفعل ذلك إلا لتسخير اللّه كلّ الكائنات لك . فباسم اللّه تذبحه .
إذن هناك أمور كثيرة وأفعال ذات بال تمر عليك ومن حسن الأدب والإيمان أن
هامش
( 1 ) رواه عبد القادر الرّهاوى في الأربعين عن أبي هريرة .