مصر منك كثير ، أي إن كنت رجلا طيبا فستجد مثلك الكثير ، وإن كنت شريرا فستجد مثلك الكثير أيضا .
ويقول الحق :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ . .
( 18 ) [ سورة الحج ]
فكل الكائنات مقهورة مسخرة ، وعند الناس انقسم الأمر ؛ لأن لهم اختيارا ، فراح أناس للطاعة وذهب أناس للمعصية ، فلم يقل الحق : والناس . بل قال
« وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ »
، ولم يقل الحق : وقليل حق عليه العذاب ، لكنه قال :
« وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ »
فهؤلاء كثير وهؤلاء كثير ، وإن نظرت إليهم في ذاتهم فهم كثير ، والآخرون أيضا إذا نظرت إليهم تجدهم كثيرا . ولماذا يقول الحق :
« وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ »
؟
« الطاعة » - كما نعرف - استجابة للأمر في « افعل » ، والنهى في « لا تفعل » إذا قال الحق للإنسان افعل كذا ؛ فالإنسان صالح لأن يفعل وأن لا يفعل ، وإن قال « لا تفعل » فالإنسان صالح أن يفعل ، وأن لا يفعل ، وإن كان هناك شئ لا تقدر عليه فلن يقول لك : افعله . والإنسان عادة حين يؤمر أو ينهى إنما يؤمر وينهى لمصلحته ، فإن لم يوجد أمام مصلحة معارض من منهج إلهي فهذا من مصلحته أيضا ؛ لأن اللّه أجاز له حرية الفعل والترك . ويوضح الحق : من رحمتي أن جعلت لكم تشريعا ؛ لأننا لو تركنا الناس إلى أهوائهم فسيأمر كل واحد من الذين لهم السيطرة على الناس بما يوافق هواه ، وسينهى كل واحد من الناس بما يخالف هواه ؛ لذلك نعصم هذا الأمر بالمنهج . حتى لا يتضارب الخلق ولا يتعاكس هواك مع هوى أخيك . ومن المصلحة أن يوجد مطاع واحد لا هوى له ، ويوجد منهج يقول للجميع « افعلوا كذا » و « لا تفعلوا كذا » وبذلك يأتي الاستطراق لنفعهم جميعا . ولذلك يقول الحق :
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ . .
( 116 ) [ سورة الأنعام ]