أحسبه قال في المنام ، فقال : يا محمد ، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى ، قلت : لا ، قال : فوضع يده بين كتفيّ ، حتى وجدت بردها بين ثدييّ ، أو قال : في نحري ، فعلمت ما في السماوات وما في الأرض ، قال : يا محمّد ، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت : نعم في الكفارات ( أي الأعمال الحسنة التي تكفر الذنوب ) والكفارات : المكث في المساجد بعد الصلوات ، والمشي على الأقدام إلى الجماعات ، وإسباغ الوضوء على المكاره ، ومن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير ، وخرج من خطيئته كيوم ولدته أمه ، وقال : يا محمد ، إذا صليت فقل : اللهم إني أسألك فعل الخيرات ، وترك المنكرات ، وحبّ المساكين ، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون . قال : والدرجات ، إفشاء السلام ، وإطعام الطعام ، والصلاة بالليل والناس نيام . وفي رواية : فقلت : لبيك وسعديك في المرتين ، وفيها فعلمت ما بين المشرق والمغرب . أخرجه الترمذي
وقال : حديث حسن غريب . وللعلماء في هذا الحديث وفي أمثاله من أحاديث الصفات مذهبان :
آ - مذهب السلف : ويقتضي الاعتقاد بذلك كما جاء في غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ، والإيمان به من غير تأويل ، والسكوت عنه وعن أمثاله ، مع الاعتقاد بأن اللّه تعالى
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
ب - المذهب الثاني : هو تأويل الحديث بما يليق بجلال اللّه ، وينفي عنه كل نقص ، وأنه ليس كمثله شيء ، وقد أولوا الحديث بأن المراد باليد النعمة والمنة والرحمة ، وذلك شائع في لغة العرب ، يكون معناه على هذا الإخبار بإكرام اللّه تعالى إياه وإنعامه عليه بأن شرح صدره ، ونوّر قلبه ، وعرفه ما لا يعرفه أحد حتى وجد برد النعمة والمعرفة في قلبه ، وذلك لما نوّر قلبه ، شرح صدره ، فعلم ما في السماوات وما في الأرض ، بإعلام اللّه تعالى إياه ، وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له : كن فيكون ، إذ لا يجوز على اللّه تعالى ولا على صفات ذاته مماسة أو مباشرة أو نقص ، وهذا هو أليق بتنزيهه وحمل الحديث عليه . وإذا حملنا الحديث على المنام ، فقد زال الإشكال ، وحصل الفرض ، ولا حاجة بنا إلى التأويل ، ورؤية البارئ عز وجل في المنام على الصفات الحسنة دليل على البشارة والخير والرحمة للرائي .