والعلة فيها مجاز وليست حقيقة . ذلك أن الدافع إلى الالتقاط لم يكن ليكون لهم عدوا وحزنا ، ولكن لمحبتهم له ، وبغية تنبيه . كمن يقول « ضربته ليتأدب » والحقيقة أنهم التقطوه للمحبة . فكانت عاقبته للعداوة . ولذلك سمّيت اللام « لام العاقبة » .
5 - موسى وفرعون :
ورد في تعريب كلمة « موسى » أن « مو » هي الماء و « سا » هي الشجر ، ولعلهم شبهوا « موسى » بالماء والشجر اللذين ينبتان من الأرض ، لأنهم التقطوه من النهر ، ولم يعلموا له أبا وأمّا ، وإنما وجدوه بينهم ، وهو موسى بن عمران ، ويتصل نسبه ب « يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم » .
وبقيت إسرائيل في مصر من عهد يوسف إلى عهد موسى ، أي عهد فرعون الذي بعث موسى إليه ، وكان فرعون هذا على جانب كبير من العتو والغلظة وطول العمر ، واسمه « الوليد بن مصعب » ؛ وقد اتخذ بني إسرائيل بمثابة العبيد ، يبنون له ويحرثون ، ويتقاضى من باقيهم الجزية ؛ وقد رأى في المنام نارا أتت من جانب القدس ، فأحرقت القبط ، فسأل تعبير رؤياه فقيل له : يخرج من بني إسرائيل رجل يكون على يده هلاك مصر ، فأمر بقتل كل مولود يلد لبني إسرائيل حتى كاد يفنيهم ، ثم عدل عن ذلك ، وراح يقتل أبناءهم عاما ويتركهم عاما ، فولد هارون في السنة التي لا يقتل فيها الأبناء ، وولد موسى في السنة التي يقتلهم فيها . فلما وضعته أمه حزنت ، فأوحى اللّه إليها أن ضعيه في تابوت ، ثم ألقيه في اليم . فصنعت تابوتا ، ووضعته فيه ، وألقته في النيل ، وقالت لأخته قصيّه ، فحمله الماء حتى أدخله بين أشجار متكاثفة تحت قصر فرعون ، فخرجت جواري فرعون يغتسلن ، فوجدن التابوت ، فأدخلناه إلى آسية امرأة فرعون ، فلما رأته أحبته وأخبرت به فرعون ؛ فأراد ذبحه ، وخشي أن يكون المولود الذي حذر منه ، فلم تزل به آسية حتى تركه لها . وذلك قوله تعالى
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
وسوف نتابع رواية القصة على ضوء الآيات التالية إن شاء اللّه .