تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 788

مساهمون:

ص٧٨٨
بعض ليكون البشر كلّهم أخوة . ومن آداب الإسلام الّتي كانت فاشية في عهد النّبوّة إفشاء السّلام إلّا مع المحاربين ، لأنّ من سلّم على أحد فقد أمّنه ، فإذا فتك به بعد ذلك كان خائنا ناكثا للعهد . وكان اليهود يسلّمون على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فيردّ عليهم السّلام ، حتّى كان من بعض سفهائهم تحريف السّلام بلفظ « السّام » أي الموت ، فكان النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يجيبهم بقوله : « وعليكم » . وسمعت عائشة واحدا منهم يقول له : السّام عليك . فقالت له : وعليك السّام واللّعنة . فانتهزها عليه الصّلاة والسّلام مبيّنا لها أنّ المسلم لا يكون فاحشا ولا سبّابا ، وأنّ الموت علينا وعليهم . وروي عن بعض الصّحابة كابن عبّاس أنّهم كانوا يقولون للذّمّيّ : السّلام عليك . وعن الشّعبيّ من أئمّة السّلف أنّه قال لنصرانيّ سلّم عليه : وعليك السّلام ورحمة اللّه تعالى ، فقيل له في ذلك فقال : أليس في رحمة اللّه يعيش . وفي حديث البخاريّ : الأمر بالسّلام على من تعرف ومن لا تعرف . وروى ابن المنذر عن الحسن أنّه قال :
فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها
للمسلمين ،
أَوْ رُدُّوها
لأهل الكتاب ، وعليه يقال للكتابيّ في ردّ السّلام عين ما يقوله ، وإن كان فيه ذكر الرّحمة . هذه لمعة ممّا روي عن السّلف ، ثمّ جاء الخلف فاختلفوا في « السّلام » على غير المسلم ، فقال كثيرون : إنّهم لا يبدأون بالسّلام ، لحديث ورد في ذلك ، وحملوا ما روي عن ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما على الحاجة ، أي لا يسلّم عليهم ابتداء إلّا لحاجة . وأمّا الرّدّ فقال بعض الفقهاء : إنّه واجب كردّ سلام المسلم ، وقال بعضهم : إنّه سنّة . وفي « الخانية » من كتب الحنفيّة : ولو سلّم يهوديّ أو نصرانيّ أو مجوسيّ فلا بأس بالرّدّ . وهذا يدلّ على أنّه مباح عند هذا القائل لا واجب ولا مسنون ، مع أنّ السّنّة وردت به في الصّحيح . أمّا ما ورد من حقّ المسلم على المسلم فلا ينافي حقّ غيره ، فالسّلام حقّ عامّ ويراد به أمران : مطلق التّحيّة ، وتأمين من تسلّم عليه من الغدر والإيذاء وكلّ ما يسيء . وقد روى الطّبرانيّ والبيهقيّ من حديث أبي أمامة : « إنّ اللّه تعالى جعل السّلام تحيّة لأمّتنا وأمانا لأهل ذمّتنا » . وأكثر الأحاديث الّتي وردت في السّلام عامّة ، وذكر في بعضها المسلم كما ذكر في بعضها غيره ، كحديث الطّبرانيّ المذكور آنفا . أما جعل تحيّة الإسلام عامّة ، فعندي : « أنّ ذلك مطلوب ، وقد ورد في الأحاديث الصّحيحة أنّ اليهود كانوا يسلّمون على المسلمين فيردّون عليهم ، فكان من تحريفهم ما كان سببا لأمر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بأمر المسلمين ، أن يردّوا عليهم بلفظ « وعليكم » حتّى لا يكونوا مخدوعين للمحرّفين . ومن مقتضى القواعد أنّ الشّيء يزول بزوال سببه . ولم يرد أنّ أحدا من الصّحابة نهي اليهود عن السّلام ؛ لأنّهم لم يكونوا ليحظروا على النّاس آداب الإسلام . ولكن خلف من بعدهم خلف أرادوا أن يمنعوا غير المسلم من كلّ شيء يعمله المسلم حتّى من النّظر في القرآن ، وقراءة الكتب المشتملة على آياته ، وظنّوا أنّ هذا تعظيم للدّين ، وصون له عن المخالفين ، وكلّما زادوا بعدا عن حقيقة الإسلام زادوا إيغالا في هذا الضّرب من التّعظيم ، وإنّهم ليشاهدون النّصارى في هذا العصر