بالسّلامة منها ، ويتضمّن الوعد بسلامة ذلك الغير وأمانه منه ، كأنّه قال : أنت سليم منّي فاجعلني سليما منك ، والسّلامة مستلزمة لطول الحياة ، وليس في الدّعاء بطول الحياة ذلك ؛ ولأنّ السّلام من أسمائه تعالى ، فالبداية بذكره ممّا لا ريب في فضله ومزيّته .
ومعنى الآية إذا سلّم عليكم من جهة المؤمنين ،
فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها ،
أي بتحيّة أحسن منها ، بأن تقولوا : وعليكم السّلام ورحمة اللّه ، إن اقتصر المسلّم على الأوّل ، وبأن تزيدوا : وبركاته ، إن جمعهما المسلّم ، وهو أن يقال : السّلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته ؛ منتهى الأمر في السّلام لكونه مستجمعا لجميع فنون المطالب الّتي هي السّلامة من المضارّ ونيل المنافع ودوامها ونمائها ، ولهذا اقتصر على هذا القدر في التّشهّد . [ ثمّ نقل بعض الرّوايات فلاحظ ] ( 2 : 251 )
رشيد رضا : قال الأستاذ الإمام بعد أن علّم اللّه المؤمنين طريقة الشّفاعة الحسنة والسّيّئة وهي من أسباب التّواصل بين النّاس علّمهم سنّة التّحيّة بينهم وبين وإخوانهم الضّعفاء والأقوياء في الإيمان ، وحسن الأدب بينهم وبين ما يلقونهم في أسفارهم ، فقال :
وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ . . .
وهذا ما يراه الأستاذ في وجه الاتّصال والمناسبة بين الآية والّتي قبلها . وذكر الرّازيّ في النّظم وجهين :
الأوّل : أنّه لمّا أمر المؤمنين بالجهاد أمرهم أيضا بأن يرضوا بالمسالمة ، إذا رضي الأعداء بها ، فهذه الآية عنده كقوله تعالى :
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها
الأنفال : 61 .
والثّاني : أنّ الرّجل كان يلقى الرّجل في دار الحرب أو ما يقاربها فيسلّم عليه ، فقد لا يلتفت إلى سلامه ويقتله ، فمنع اللّه المؤمنين من ذلك وأمرهم بأن يقابلوا كلّ من يسلّم عليهم ، أو يكرمهم بنوع من الإكرام بمثل ما قابلهم به أو بأحسن منه .
هذا ملخّص قوله ، وفي الأوّل أنّه جعل التّحيّة بمعنى السّلام والسّلم ، وفي الثّاني من التّوسّع في التّحيّة ما فيه ، وسيأتي في هذه السّورة
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً
النّساء : 94 ، وقد ذكر هنا أدب التّحيّة كما ذكر ما ينبغي وما لا ينبغي في الشّفاعة ، لأنّ لكلّ من التّحيّة والشّفاعة شأنا عظيما في حال القتال ، يكون به نفعهما أو ضررهما أقوى منه في سائر الأحوال ، ويدلّ على ذلك في التّحيّة اشتقاقها من الحياة .
التّحيّة مصدر حيّاه ، إذا قال له : حيّاك اللّه ، هذا هو الأصل . ثمّ صارت التّحيّة اسما لكلّ ما يقوله المرء لمن يلاقيه أو يقبل هو عليه من نحو دعاء أو ثناء ، كقولهم :
أنعم صباحا وأنعم مساء ، وقالوا : عم صباحا ومساء ، وجعلت تحيّة المسلمين السّلام للإشعار بأنّ دينهم دين السّلام والأمان ، وأنّهم أهل السّلم ومحبّو السّلامة . ومن التّحيّات الشّائعة في بلادنا إلى هذا اليوم : أسعد اللّه صباحكم ، أسعد اللّه مساءكم - وهذا بمعنى قول العرب القدماء : أنعم صباحا ومساء - ونهارك سعيد ، وليلتك سعيدة ، وهذا مترجم عن الإفرنجيّة .
وقد أوجب اللّه تعالى علينا في هذه الآية أن نجيب من حيّانا بأحسن من تحيّته أو بمثلها أو عينها ، كأن نقول له الكلمة الّتي يقولها وهذا هو ردّها ، وفسّروه بأن تقول لمن قال : السّلام عليكم ، بقولك : وعليكم السّلام .