ولو دخل على جماعة في بيت أو مجلس أو مسجد وجب عليه أن يسلّم على الحاضرين لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : أفشوا السّلام ، والأمر للوجوب ، أو يكون ذلك سنّة متأكّدة ؛ لأنّ السّلام من شعار أهل الإسلام فيجب إظهاره أو يتأكّد استحبابه .
أمّا الرّدّ على المسلّم فقد أجمع العلماء على وجوبه .
ويدلّ عليه قوله تعالى :
وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها
والأمر للوجوب ؛ لأنّ في ترك الرّدّ إهانة للمسلّم ، فيجب ترك الإهانة . فإن كان المسلّم عليه واحدا وجب عليه الرّدّ ، وإذا كانوا جماعة كان ردّ السّلام في حقّهم فرض كفاية ، فلو ردّ واحد منهم سقط فرض الرّدّ عن الباقين ، وإن تركوه كلّهم أثموا .
عن عليّ بن أبي طالب رضى اللّه عنه عن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال :
يجزي عن الجماعة إذا مرّوا أن يسلّم أحدهم ، ويجزي عن الجلوس أنّ يردّ أحدهم ، أخرجه أبو داود .
المسألة الثّالثة : في آداب السّلام ، السّنّة أن يسلّم الرّاكب على الماشي ، والماشي على القاعد ، والقليل على الكثير ، والصّغير على الكبير . عن أبي هريرة : « أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : يسلّم الرّاكب على الماشي ، والماشي على القاعد والقليل على الكثير » . وإذا تلاقى رجلان فالمبتدئ بالسّلام هو الأفضل ، لما روي عن أبي أمامة الباهليّ قال :
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ أولى النّاس باللّه عزّ وجلّ من بدأهم بالسّلام » أخرجه أبو داود والتّرمذيّ . ولفظه قال :
قيل يا رسول اللّه : الرّجلان يلتقيان أيّهما يبدأ بالسّلام ؟
قال : « أولاهما باللّه » . قال التّرمذيّ : حديث حسن .
ويستحبّ أن يبدأ بالسّلام قبل الكلام والحاجة .
والسّنّة إذا مرّ بجماعة صبيان صغار أن يسلّم عليهم ، لما روي عن أنس أنّه مرّ على صبيان فسلّم عليهم .
وقال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يفعله ، أخرجاه في الصّحيحين .
وفي رواية لأبي داود : أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم مرّ على غلمان يلعبون فسلّم عليهم .
وأمّا السّلام على النّساء ؛ فإن كنّ جمعا جالسات في مسجد أو موضع فيستحبّ أن يسلّم عليهنّ ، إذا لم يخف على نفسه أو عليهنّ فتنة ، لما روي عن أسماء بنت يزيد قالت : مرّ علينا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في نسوة فسلّم علينا ، أخرجه أبو داود وفي رواية التّرمذيّ : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مرّ في المسجد يوما وعصبة من النّساء قعود ، فألوى بيده للتّسليم ، قال التّرمذيّ : حديث حسن . وإذا مرّ على امرأة مفردة أجنبيّة ، فإن كانت جميلة فلا يسلّم عليها ، ولو سلّم فلا تردّ هي عليه ؛ لأنّه لم يستحقّ الرّدّ . وإن كانت عجوزا لا يخاف عليه ولا عليها الفتنة سلّم عليها وتردّ هي عليه . وحكم النّساء مع النّساء كحكم الرّجال مع الرّجال في السّلام ، فيسلّم بعضهنّ على بعض .
المسألة الرّابعة : في الأحوال الّتي يكره السّلام فيها ، فمن ذلك الّذي يبول أو يتغوّط أو يجامع ونحو ذلك لا يسلّم عليه ، فلو سلّم فلا يستحقّ المسلّم جوابا ، لما روي عن ابن عمر : أنّ رجلا مرّ ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يبول فسلّم عليه فلم يردّ عليه . أخرجه مسلم . قال التّرمذيّ : إنّما يكره إذا كان على الغائط أو البول ، ويكره التّسليم على من في الحمّام ، وقيل : إن كانوا متّزرين بالمآزر سلّم عليهم وإلّا فلا .
ويكره التّسليم على النّائم والنّاعس والمصلّي والمؤذّن والتّالي في حال الصّلاة والأذان والتّلاوة .