تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 733

مساهمون:

ص٧٣٣
الأرض ويحييها ويوصل هذه السّعادات إليها ، ومن النّاس من طعن فيه ، وقال : إنّا نرى أجساد هؤلاء الشّهداء قد تأكلها السّباع ، فإمّا أن يقال : إنّ اللّه تعالى يحييها حال كونها في بطون هذه السّباع ويوصل الثّواب إليها ، أو يقال : إنّ تلك الأجزاء بعد انفصالها من بطون السّباع يركّبها اللّه تعالى ، ويؤلّفها ويردّ الحياة إليها ويوصل الثّواب إليها . وكلّ ذلك مستبعد ، ولأنّا قد نرى الميّت المقتول باقيا أيّاما إلى أن تنفسخ أعضاؤه وينفصل القيح والصّديد ، فإن جوّزنا كونها حيّة متنعّمة عاقلة عارفة لزم القول بالسّفسطة . الوجه الرّابع : في تفسير هذه الآية أن نقول : ليس المراد من كونهم أحياء حصول الحياة فيهم ، بل المراد بعض المجازات ، وبيانه من وجوه : الأوّل : قال الأصمّ البلخيّ : إنّ الميّت إذا كان عظيم المنزلة في الدّين ، وكانت عاقبته يوم القيامة البهجة والسّعادة والكرامة ، صحّ أن يقال : إنّه حيّ وليس بميّت ، كما يقال في الجاهل الّذي لا ينفع نفسه ولا ينتفع به أحد : إنّه ميّت وليس بحيّ ، وكما يقال للبليد : إنّه حمار ، وللمؤذي : إنّه سبع . وروي أنّ عبد الملك بن مروان لمّا رأى الزّهريّ وعلم فقهه وتحقيقه قال له : ما مات من خلف مثلك . وبالجملة فلا شكّ أنّ الإنسان إذا مات وخلف ثناء جميلا وذكرا حسنا ، فإنّه يقال على سبيل المجاز : إنّه ما مات بل هو حيّ . الثّاني : قال بعضهم : مجاز هذه الحياة أنّ أجسادهم باقية في قبورهم ، وإنّها لا تبلى تحت الأرض ألبتّة . واحتجّ هؤلاء بما روي أنّه لمّا أراد معاوية أن يجري العين على قبور الشّهداء ، أمر بأن ينادى : من كان له قتيل فليخرجه من هذا الموضع ، قال جابر : فخرجنا إليهم فأخرجناهم رطاب الأبدان ، فأصابت المسحاة إصبع رجل منهم فقطرت دما . والثّالث : أنّ المراد بكونهم أحياء أنّهم لا يغسلون كما تغسل الأموات ، فهذا مجموع ما قيل في هذه الآية ، واللّه أعلم بأسرار المخلوقات . المسألة الثّالثة : قال صاحب « الكشّاف » :
وَلا تَحْسَبَنَّ
الخطاب لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أو لكلّ أحد ، وقرئ بالياء ، وفيه وجوه : أحدها : ولا يحسبنّ رسول اللّه . والثّاني : ولا يحسبنّ حاسب . والثّالث : ولا يحسبنّ الّذين قتلوا أنفسهم أمواتا . قال : وقرئ ( تحسبنّ ) بفتح السّين ، وقرأ ابن عامر ( قتّلوا ) بالتّشديد ، والباقون بالتّخفيف . المسألة الرّابعة : قوله :
بَلْ أَحْياءٌ ،
قال الواحديّ : التّقدير : بل هم أحياء . قال صاحب « الكشّاف » : قرئ ( احياء ) بالنّصب على معنى : بل أحسبهم أحياء . وأقول : إنّ الزّجّاج قال : ولو قرئ ( احياء ) بالنّصب لجاز على معنى بل أحسبهم أحياء ، وطعن أبو عليّ الفارسيّ فيه فقال : لا يجوز ذلك ، لأنّه أمر بالشّكّ ، والأمر بالشّكّ غير جائز على اللّه ، ولا يجوز تفسير الحسبان بالعلم ، لأنّ ذلك لم يذهب إليه أحد من علماء أهل اللّغة ، وللزّجّاج أن يجيب فيقول : الحسبان ظنّ لا شكّ ، فلم قلتم : إنّه لا يجوز أن يأمر اللّه بالظّنّ ، أليس أنّ تكليفه في جميع المجتهدات ليس إلّا بالظّنّ ؟ وأقول : هذه المناظرة من الزّجّاج وأبي عليّ الفارسيّ تدلّ على أنّه ما قرئ ( أحياء ) بالنّصب ، بل الزّجّاج كان