تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 732

مساهمون:

ص٧٣٢
الجسد . وأمّا المعقول فمن وجوه : الأوّل : وهو أنّ وقت النّوم يضعف البدن ، وضعفه لا يقتضي ضعف النّفس ، بل النّفس تقوى وقت النّوم ، فتشاهد الأحوال وتطّلع على المغيبات ، فإذا كان ضعف البدن لا يوجب ضعف النّفس ، فهذا يقوّي الظّنّ في أنّ موت البدن لا يستعقب موت النّفس . الثّاني : وهو أنّ كثرة الأفكار سبب لجفاف الدّماغ ، وجفافه يؤدّي إلى الموت ، وهذه الأفكار سبب لاستكمال النّفس بالمعارف الإلهيّة ، وهو غاية كمال النّفس ، فما هو سبب في كمال النّفس فهو سبب لنقصان البدن . وهذا يقوّي الظّنّ في أنّ النّفس لا تموت بموت البدن . الثّالث : أنّ أحوال النّفس على ضدّ أحوال البدن ؛ وذلك لأنّ النّفس إنّما تفرح وتبتهج بالمعارف الإلهيّة ، والدّليل عليه قوله تعالى :
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
الرّعد : 28 ، وقال عليه الصّلاة والسّلام : « أبيت عند ربّي يطعمني ويسقيني » . ولا شكّ أنّ ذلك الطّعام والشّراب ليس إلّا عبارة عن المعرفة والمحبّة والاستنارة بأنوار عالم الغيب . وأيضا ، فإنّا نرى أنّ الانسان إذا غلب عليه الاستبشار بخدمة سلطان ، أو بالفوز بمنصب ، أو بالوصول إلى معشوقه ، قد ينسى الطّعام والشّراب ، بل يصير بحيث لو دعي إلى الأكل والشّرب لوجد من قلبه نفرة شديدة منه ، والعارفون المتوغّلون في معرفة اللّه تعالى قد يجدون من أنفسهم أنّهم إذا لاح لهم شيء من تلك الأنوار ، وانكشف لهم شيء من تلك الأسرار ، لم يحسّوا ألبتّة بالجوع والعطش ، وبالجملة فالسّعادة النّفسانيّة كالمضادّة للسّعادة الجسمانيّة ، وكلّ ذلك يغلب على الظّنّ أنّ النّفس مستقلّة بذاتها ولا تعلّق لها بالبدن ، وإذا كان كذلك وجب أن لا تموت النّفس بموت البدن ، ولتكن هذه الاقناعيّات كافية في هذا المقام . واعلم أنّه متى تقرّرت هذه القاعدة زالت الإشكالات والشّبهات عن كلّ ما ورد في القرآن من ثواب القبر وعذابه ، وإذا عرفت هذه القاعدة ، فنقول : قال بعض المفسّرين : أرواح الشّهداء أحياء وهي تركع وتسجد كلّ ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة ، والدّليل عليه ما روي أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا نام العبد في سجوده باهى اللّه تعالى به ملائكته ، ويقول : انظروا إلى عبدي ، روحه عندي وجسده في خدمتي » . واعلم أنّ الآية دالّة على ذلك ، وهي قوله :
أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ،
ولفظ ( عند ) فكما أنّه مذكور هاهنا فكذا في صفة الملائكة مذكور ، وهو قوله :
وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ
الأنبياء : 19 . فإذا فهمت السّعادة الحاصلة للملائكة بكونهم عند اللّه ، فهمت السّعادة الحاصلة للشّهداء بكونهم عند اللّه ، وهذه كلمات تفتح على العقل أبواب معارف الآخرة . الوجه الثّالث : في تفسير هذه الآية عند من يثبت هذه الحياة للأجساد ، والقائلون بهذا القول اختلفوا ، فقال بعضهم : إنّه تعالى يصعد أجساد هؤلاء الشّهداء إلى السّماوات وإلى قناديل تحت العرش ، ويوصل أنواع السّعادة والكرامات إليها ، ومنهم من قال : يتركها في
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 732 | مجمع البحوث الاسلامية