تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 730

مساهمون:

ص٧٣٠
فإن قيل : إنّه عليه الصّلاة والسّلام وإن كان عالما بأنّهم سيصيرون أحياء عند ربّهم عند البعث ، ولكنّه غير عالم بأنّهم من أهل الجنّة ، فجاز أن يبشّره اللّه بأنّهم سيصيرون أحياء ، ويصلون إلى الثّواب والسّرور . قلنا : قوله :
وَلا تَحْسَبَنَّ
إنّما يتناول الموت ، لأنّه قال :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً
فالّذي يزيل هذا الحسبان هو كونهم أحياء في الحال ، لأنّه لا حسبان هناك في صيرورتهم أحياء يوم القيامة ، وقوله :
يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ
فهو خبر مبتدإ ، ولا تعلّق له بذلك الحسبان ، فزال هذا السّؤال . الحجّة الرّابعة : قوله تعالى :
وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ
والقوم الّذين لم يلحقوا بهم لا بدّ وأن يكونوا في الدّنيا ، فاستبشارهم بمن يكون في الدّنيا لا بدّ وأن يكون قبل قيام القيامة ، والاستبشار لا بدّ وأن يكون مع الحياة ، فدلّ هذا على كونهم أحياء قبل يوم القيامة ، وفي هذا الاستدلال بحث سيأتي ذكره . الحجّة الخامسة : ما روي عن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما : أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال في صفة الشّهداء : « أنّ أرواحهم في أجواف طير خضر ، وأنّها ترد أنهار الجنّة ، وتأكل من ثمارها ، وتسرح حيث شاءت ، وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش ، فلمّا رأوا طيب مسكنهم ومطعمهم ومشربهم قالوا : يا ليت قومنا يعلمون ما نحن فيه من النّعيم ، وما صنع اللّه تعالى بنا ، كي يرغبوا في الجهاد ، فقال اللّه تعالى : أنا مخبر عنكم ومبلّغ إخوانكم ، ففرحوا بذلك واستبشروا ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية » . وسئل ابن مسعود رضى اللّه عنه عن هذه الآية ، فقال : سألنا عنها ، فقيل لنا : إنّ الشّهداء على نهر بباب الجنّة في قبّة خضراء . وفي رواية في روضة خضراء ، وعن جابر بن عبد اللّه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ألا أبشّرك أنّ أباك حيث أصيب بأحد أحياه اللّه ، ثمّ قال : ما تريد يا عبد اللّه ابن عمرو أن أفعل بك ، فقال : يا ربّ أحبّ أن تردّني إلى الدّنيا فأقتل فيك مرّة أخرى » . والرّوايات في هذا الباب كأنّها بلغت حدّ التّواتر ، فكيف يمكن إنكارها ؟ طعن الكعبيّ في هذه الرّوايات ، وقال : إنّها غير جائزة ؛ لأنّ الأرواح لا تتنعّم ، وإنّما يتنعّم الجسم إذا كان فيه روح لا الرّوح ، ومنزلة الرّوح من البدن منزلة القوّة . وأيضا : الخبر المرويّ ظاهره يقتضي أنّ هذه الأرواح في حواصل الطّير ، وأيضا ظاهره يقتضي أنّها ترد أنهار الجنّة ، وتأكل من ثمارها وتسرح ، وهذا يناقض كونها في حواصل الطّير . والجواب : أمّا الطّعن الأوّل : فهو مبنيّ على أنّ الرّوح عرض قائم بالجسم ، وسنبيّن أنّ الأمر ليس كذلك . وأمّا الطّعن الثّاني : فهو مدفوع ، لأنّ القصد من أمثال هذه الكلمات الكنايات عن حصول الرّاحات والمسرّات وزوال المخافات والآفات ، فهذا جملة الكلام في هذا الاحتمال . وأمّا الوجه الثّاني من الوجوه المحتملة في هذه الآية : هو أنّ المراد أنّ الشّهداء أحياء في الحال ، والقائلون بهذا القول منهم من أثبت هذه الحياة للرّوح ، ومنهم من أثبتها للبدن . وقبل الخوض في هذا الباب يجب تقديم مقدّمة ، وهي أنّ الإنسان ليس عبارة عن مجموع هذه البنية ،