الفخر الرّازيّ : [ فيها مسائل : ]
المسألة الأولى : هذه الآية واردة في شهداء بدر وأحد ، لأنّ في وقت نزول هذه الآية لم يكن أحد من الشّهداء إلّا من قتل في هذين اليومين المشهورين ، والمنافقون إنّما ينفّرون المجاهدين عن الجهاد لئلّا يصيروا مقتولين مثل من قتل في هذين اليومين من المسلمين .
واللّه تعالى بيّن فضائل من قتل في هذين اليومين ، ليصير ذلك داعيا للمسلمين إلى التّشبّه بمن جاهد في هذين اليومين وقتل .
وتحقيق الكلام : أنّ من ترك الجهاد فربّما وصل إلى نعيم الدّنيا ، وربّما لم يصل . وبتقدير أن يصل إليه فهو حقير وقليل ، ومن أقبل على الجهاد فاز بنعيم الآخرة قطعا ، وهو نعيم عظيم ، ومع كونه عظيما فهو دائم مقيم .
وإذا كان الأمر كذلك ظهر أنّ الإقبال على الجهاد أفضل من تركه .
المسألة الثّانية : اعلم أنّ ظاهر الآية يدلّ على كون هؤلاء المقتولين أحياء ، فأمّا أن يكون المراد منه حقيقة أو مجازا ، فإن كان المراد منه هو الحقيقة ، فإمّا أن يكون المراد أنّهم سيصيرون في الآخرة أحياء ، أو المراد أنّهم أحياء في الحال . وبتقدير أن يكون هذا هو المراد ، فإمّا أن يكون المراد إثبات الحياة الرّوحانيّة أو إثبات الحياة الجسمانيّة ، فهذا ضبط الوجوه الّتي يمكن ذكرها في هذه الآية .
الاحتمال الأوّل : أنّ تفسير الآية بأنّهم سيصيرون في الآخرة أحياء ، قد ذهب إليه جماعة من متكلّمي المعتزلة ، منهم أبو القاسم الكعبيّ ، قال : وذلك لأنّ المنافقين الّذين حكى اللّه عنهم ما حكى كانوا يقولون : أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم : يعرّضون أنفسهم للقتل ، فيقتلون ويخسرون الحياة ولا يصلون إلى خير ، وإنّما كانوا يقولون ذلك لجحدهم البعث والميعاد ، فكذّبهم اللّه تعالى ، وبيّن بهذه الآية أنّهم يبعثون ويرزقون ويوصل إليهم أنواع الفرح والسّرور والبشارة .
واعلم أنّ هذا القول عندنا باطل ، ويدلّ عليه وجوه :
الحجّة الأولى : أنّ قوله :
بَلْ أَحْياءٌ
ظاهره يدلّ على كونهم أحياء عند نزول الآية ، فحمله على أنّهم سيصيرون أحياء بعد ذلك عدول عن الظّاهر .
الحجّة الثّانية : أنّه لا شكّ أنّ جانب الرّحمة والفضل والإحسان أرجح من جانب العذاب والعقوبة ، ثمّ إنّه تعالى ذكر في أهل العذاب أنّه أحياهم قبل القيامة لأجل التّعذيب ، فإنّه تعالى قال :
أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً
نوح :
25 ، والفاء للتّعقيب ، والتّعذيب مشروط بالحياة . وأيضا قال تعالى :
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا
المؤمن : 46 ، وإذا جعل اللّه أهل العذاب أحياء قبل قيام القيامة لأجل التّعذيب ، فلأن يجعل أهل الثّواب أحياء قبل القيامة ، لأجل الإحسان والإثابة كان ذلك أولى .
الحجّة الثّالثة : أنّه لو أراد أنّه سيجعلهم أحياء عند البعث في الجنّة ، لما قال للرّسول عليه الصّلاة والسّلام :
وَلا تَحْسَبَنَّ ،
مع علمه بأنّ جميع المؤمنين كذلك . أمّا إذا حملناه على ثواب القبر حسن قوله :
وَلا تَحْسَبَنَّ ،
لأنّه عليه الصّلاة والسّلام لعلّه ما كان يعلم أنّه تعالى يشرّف المطيعين والمخلصين بهذا التّشريف ، وهو أنّه يحييهم قبل قيام القيامة ، لأجل إيصال الثّواب إليهم .