أرواحهم - بالحقّ سبحانه - متحقّقة . ولئن فنيت باللّه أشباحهم فلقد بقيت باللّه أرواحهم ، لأنّ من كان فناؤه باللّه كان بقاؤه باللّه .
ويقال : هم أحياء بشواهد التّعظيم ، عليهم رداء الهيبة وهم في ظلال الأنس ، يبسطهم جماله مرّة ، ويستغرقهم جلاله أخرى . ( 1 : 151 )
الزّمخشريّ : [ ذكر بعض أقوال المفسّرين ثمّ قال : ]
قالوا : يجوز أن يجمع اللّه من أجزاء الشّهيد جملة فيحييها ، ويوصل إليها النّعم ، وإن كانت في حجم الذّرّة .
( 1 : 323 )
الفخر الرّازيّ : اعلم أنّ هذه الآية نظير قوله في آل عمران :
بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ .
ووجه تعلّق الآية بما قبلها كأنّه قيل : استعينوا بالصّبر والصّلاة في إقامة ديني ، فإن احتجتم في تلك الإقامة إلى مجاهدة عدوّي بأموالكم وأبدانكم ففعلتم ذلك ، فتلفت نفوسكم ، فلا تحسبوا أنّكم ضيّعتم أنفسكم ، بل اعلموا أنّ قتلاكم أحياء عندي . [ إلى أن قال : ]
في الآية أقوال :
الأوّل : أنّهم في الوقت أحياء ، كأنّ اللّه تعالى أحياهم لإيصال الثّواب إليهم ، وهذا قول أكثر المفسّرين ، وهذا دليل على أنّ المطيعين يصل ثوابهم إليهم وهم في القبور .
فإن قيل : نحن نشاهد أجسادهم ميّتة في القبور ، فكيف يصحّ ما ذهبتم إليه ؟
قلنا : أمّا عندنا فالبنية ليست شرطا في الحياة ، ولا امتناع في أن يعيد اللّه الحياة إلى كلّ واحد من تلك الذّرّات والأجزاء الصّغيرة ، من غير حاجة إلى التّركيب والتّأليف ، وأمّا عند المعتزلة فلا يبعد أن يعيد اللّه الحياة إلى الأجزاء الّتي لا بدّ منها في ماهية الحيّ ، ولا يعتبر بالأطراف ، ويحتمل أيضا أن يحييهم إذا لم يشاهدوا .
القول الثّاني : قال الأصمّ : يعني لا تسمّوهم بالموتى ، وقولوا لهم : الشّهداء الأحياء . ويحتمل أنّ المشركين قالوا : هم أموات في الدّين ، كما قال اللّه تعالى :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ
الأنعام : 122 ، فقال : ولا تقولوا للشّهداء : ما قاله المشركون ، ولكن قولوا : هم أحياء في الدّين ولكن لا يشعرون ، يعني : المشركون لا يعلمون أنّ من قتل على دين محمّد عليه الصّلاة والسّلام حيّ في الدّين ، وعلى هدى من ربّه ونور ، كما روي في بعض الحكايات أنّ رجلا قال لرجل : ما مات رجل خلف مثلك . وحكي عن بقراط أنّه كان يقول لتلامذته : موتوا بالإرادة . تحيوا بالطّبيعة ، أي بالرّوح .
القول الثّالث : أنّ المشركين كانوا يقولون : إنّ أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم يقتلون أنفسهم ، ويخسرون حياتهم ، فيخرجون من الدّنيا بلا فائدة ، ويضيّعون أعمارهم إلى غير شيء . وهؤلاء الّذين قالوا ذلك ، يحتمل أنّهم كانوا دهريّة ينكرون المعاد . ويحتمل أنّهم كانوا مؤمنين بالمعاد إلّا أنّهم كانوا منكرين لنبوّة محمّد عليه الصّلاة والسّلام ، فلذلك قالوا هذا الكلام ، فقال اللّه تعالى : ولا تقولوا كما قال المشركون : إنّهم أموات لا ينشرون ، ولا ينتفعون بما تحمّلوا من الشّدائد في الدّنيا ، ولكن اعلموا أنّهم أحياء ، أي سيحيون فيثابون وينعّمون في الجنّة . وتفسير قوله :
( احياء ) بأنّهم سيحيون غير بعيد . قال اللّه تعالى :
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
الانفطار : 13 ،