القلوب » .
ويقول عليه الصّلاة والسّلام : « ومن كثر كلامه كثر خطؤه ، ومن كثر خطؤه قلّ حياؤه ، ومن قلّ حياؤه قلّ ورعه ، ومن قلّ ورعه مات قلبه » .
ومن جهة أخرى فإنّ القرآن الكريم يشخّص للإنسان نوعا خاصّا من الإبصار والسّماع والإدراك والشّعور ، غير النّظر والسّماع والشّعور الظّاهريّ ، ففي الآية : 171 ، سورة البقرة نقرأ :
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ .
وفي موضع آخر يقول تعالى :
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً
البقرة : 10 .
كذلك يقول سبحانه :
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً
البقرة : 74 .
وحول مجموعة من الكافرين يعبّر تعبيرا خاصّا فيقول تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ
المائدة : 41 .
وفي موضع آخر يقول تعالى :
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
الأنعام : 36 .
من مجموع هذه التّعبيرات وتعبيرات كثيرة أخرى شبيهة لها يظهر بوضوح أنّ القرآن يعدّ محور الحياة والموت ، هو ذلك المحور الإنسانيّ والعقلانيّ ؛ إذ أنّ قيمة الإنسان تكمن في هذا المحور .
وفي الحقيقة فإنّ الحياة والإدراك والإبصار والسّماع وأمثالها ، تتلخّص في هذا القسم من وجود الإنسان ، وإن اعتبر بعض المفسّرين هذه التّعبيرات مجازيّة ؛ إذ أنّ ذلك لا ينسجم مع روح القرآن هنا ، لأنّ الحقيقة في نظر القرآن هي هذه الّتي يذكرها ، والحياة والموت الحيوانيّان هما المجازيّان لا غير .
إنّ أسباب الموت والحياة الرّوحيّة كثيرة جدّا ولكن القدر المسلّم به هو أنّ النّفاق والكبر والغرور والعصبيّة والجهل والكبائر ، كلّها تميت القلب ، ففي مناجاة التّائبين الّتي تروى عن الإمام السّجّاد عليه السّلام في الصّحيفة السّجاديّة ورد « وأمات قلبي عظيم جنايتي » .
وهذه الآيات تأكيد على هذه الحقيقة . فهل أنّ من يرضى من حياته فقط بأن يعيش غير عالم بشيء في هذه الدّنيا ، ويجري دائما مدار العيش الرّغيد الرّتيب ، لا يعبأ بظلامة المظلوم ، ولا يلبّي نداء الحقّ ، ولا يتأثّر من ظلم الظّالم ، ولا تهزّه محروميّة المظلومين ، يفكّر في نفسه فقط ، ويعتبر نفسه غريبا حتّى عن أقرب الأقرباء ، هل يعتبر مثل هذا إنسانا حيّا ؟
وهل هي حياة تلك الّتي تكون حصيلتها كمّيّة من الغذاء المصروف ، وإبلاء بعض الألبسة ، والنّوم والاستيقاظ المكرّر ؟ وإذا كانت تلك هي الحياة فما هو فرقها عن حياة الحيوان ؟
إذا يجب أن نقرّ ونعترف بأنّ وراء هذه الحياة الظّاهريّة يكمن عقل وحقيقة ، أكّد عليها القرآن وتحدّث عنها .
الجميل أنّ القرآن يعتبر الموتى الّذين كانوا في موتهم أثر على الحياة الإنسانيّة أحياء ، ولكن الحياة الّتي يتجسّد فيها ، أي من آثار الحياة الإنسانيّة ، فإنّها تمثّل في منطق القرآن الكريم موتا ذليلا خانعا . ( 14 : 211 )