الإدراك ، وهذا تشبيه بليغ ، أي من كان مثل الحيّ في الفهم .
والمقصود منه : التّعريض بالمعرضين عن دلائل القرآن بأنّهم كالأموات ، لا انتفاع لهم بعقولهم ، كقوله تعالى :
إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ
النّمل : 80 . ( 22 : 270 )
مغنيّة : المراد بالحيّ هنا من أحيا عقله بالتّدبّر والتّأمّل ، وتفتّح قلبه للحقّ والخير . ( 6 : 323 )
الطّباطبائيّ : هو كناية عن كونه يعقل الحقّ ويسمعه . ( 17 : 109 )
مكارم الشّيرازيّ : مرّة أخرى نرى القرآن الكريم يجعل « الإيمان » هو « الحياة » ، و « المؤمنين » هم « الأحياء » ، و « الكفّار » هم « الموتى » ، ففي جانب « حيّ » ، وفي الجانب الآخر « الكافرون » ، فهذه هي الحياة والموت المعنويّ اللّذان هما أعلى بمراتب من الموت والحياة الظّاهريّين ، وآثارهما أوسع وأشمل ، فإذا كانت الحياة والمعيشة بمعنى التّنفّس وأكل الطّعام والحركة ، فإنّ هذه الأعمال كلّها تقوم بها الحيوانات ، فهذه ليست حياة إنسانيّة . الحياة الإنسانيّة هي تفتّح أزهار العقل والفهم والملكات الرّقيقة في روح الإنسان ، وكذلك التّقوى والإيثار والتّضحية والتّحكّم بالنّفس ، والتّحلّي بالفضيلة والأخلاق . والقرآن ينمّي هذه الحياة في وجود الإنسان .
والخلاصة : أنّ النّاس ينقسمون حيال دعوة القرآن الكريم إلى مجموعتين : مجموعة حيّة يقظة تلبّي تلك الدّعوة ، وتلتفت إلى إنذاراتها ، ومجموعة من الكفّار ذوي القلوب الميّتة ، الّذين لا تؤمّل منهم أيّة استجابة أبدا ، ولكن هذه الإنذارات سبب في إتمام الحجّة عليهم ، وتحقّق أمر العذاب بحقّهم .
بحث
حياة وموت القلوب
في الإنسان أنواع من الحياة والموت :
الأوّل : الحياة والموت النّباتيّ الّذي مظهره النّموّ والرّشد والتّغذية والتّوالد ، وهو في هذا الشّأن يشابه جميع النّباتات .
الثّاني : الحياة والموت الحيوانيّ . وأبرز مظاهرها الإحساس والحركة ، وهو مشترك في هاتين الصّفتين مع جميع الحيوانات .
أما النّوع الثّالث من الحياة الخاصّ بالإنسان فقط ، فهو الحياة الإنسانيّة والرّوحيّة ، وهو ما قصدته الرّوايات بقولها « حياة القلوب » . حيث إنّ المقصود بالقلب هنا :
الرّوح والعقل والعواطف الإنسانيّة .
ففي حديث أمير المؤمنين عليه أفضل الصّلاة والسّلام وحول القرآن يقول : « وتعلّموا القرآن فإنّه أحسن الحديث ، وتفقّهوا فيه فإنّه ربيع القلوب » .
وفي حديث آخر له عليه أفضل الصّلاة والسّلام يقول عن الحكمة والتّعلم : « واعلموا أنّه ليس من شيء إلّا ويكاد صاحبه يشبع منه ويملّه إلّا الحياة ، فإنّه لا يجد في الموت راحة ، وإنّما ذلك بمنزلة الحكمة الّتي هي حياة للقلب الميّت وبصر للعين العمياء » .
وقال عليه الصّلاة والسّلام : « ألا وإنّ من البلاء الفاقة ، وأشدّ من الفاقة مرض البدن ، وأشدّ من مرض البدن مرض القلب ، ألا وإنّ من صحّة البدن تقوى