وعلاقات ، فإذا كان الإنسان مؤمنا ، بالمعنى الواسع للإيمان ، فإنّه ينفتح على اللّه ، وعلى كلّ المعاني الخيّرة ، والقيم الكبيرة ، والآفاق الرّوحيّة ، في حركة الامتداد والعمق ، أمّا إذا كان كافرا ، فإنّه ينغلق على ذاته ، ولا ينفتح على أيّ شيء آخر ، إلّا من خلال المادّة ، فهي ساحة الحركة الضّيّقة عنده ، لأنّه لا يملك الفكرة الكبيرة الّتي تربطه بتلك الآفاق ، فالمادّة هي كلّ طموحاته ، وكلّ شيء في الحياة يخضع للحسابات المادّيّة ، حتّى العواطف والمشاعر والعلاقات ، فلا يعطي إلّا بمقدار ما يأخذ . إنّه يستمرّ في الدّوران حول نفسه ، فيختنق في النّهاية داخل ذاته .
ثمّ إنّ الإيمان - في شخصيّة المؤمن - يوحي له بأنّه لا يمثّل - كما لا يمثّل أيّ شيء في الحياة - كيانا مستقلّا منفصلا عن اللّه ، بل يعتبر كلّ شيء موصولا به ، ومنطلقا منه . وبذلك كانت الحياة ساحة خاضعة للّه ومشدودة في علاقاتها إليه . فإذا فكّر الإنسان ، فإنّ الفكر يتحرّك من حيث يريد اللّه له أن يتحرّك ، ليكون الفكر المسؤول ، كما أنّ العمل يتحرّك في خطّ المسؤوليّة العامّة في حياة النّاس ، كلّ شيء عنده بحساب ، ولكنّها ليست حسابات التّبادل المادّيّ التّجاريّ مع النّاس ، بل هي حسابات الإنسان مع اللّه ، وبذلك لا تكون التّضحية حركة ضائعة في الفراغ ، بل هي انطلاقة في علاقة الدّنيا بالآخرة ، في حسابات اللّه .
وفي ضوء ذلك ، كانت الحياة عنده تعني الرّسالة الّتي هي الهدف الكبير ، فلا ضياع ولا فراغ ، ولا قلق ، لأنّ الإنسان المؤمن يعتقد أنّ بداية الحياة من اللّه ، ونهايتها إليه ، وبين البداية والنّهاية هناك خطّ واضح للمسؤوليّة ، وبرنامج عمليّ للإنسان ، ينير له الطّريق ، ويخطّ له حدود المستقبل على الصّراط المستقيم ؛ وذلك ما تعنيه الكلمة القرآنيّة :
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا
فصّلت : 30 ، الّتي تسير فيها نقطة البداية إلى خطّ السّير ، وذلك هو ما تعنيه كلمة « النّور » الّذي يمشي به بين النّاس ، فهو الّذي يحقّق له الوضوح في كلّ أوضاعه ، وعلاقاته العامّة والخاصّة ، فلا ظلام ولا ضباب ، بل هي الإشراقة الدّائمة في روحه وقلبه وخطاه .
أمّا الإنسان الكافر ، فمثله مثل الإنسان الّذي يعيش في الظّلمات ، فلا يخرج من ظلمة إلّا إلى أخرى . ليس هناك نافذة واحدة يطلّ منها على النّور ، فقد أغلق جميع نوافذ النّور على نفسه ، وبقي يتخبّط في متاهات الظّلام .
فليس عنده أيّ تصوّر يحدّد له نقطة الانطلاق ، ونقطة الانتهاء ، فهو لا يدري كيف نشأت الحياة ؟ ولا يدري كيف ستنتهي ؟ وما بعد ذلك ؟ ولا يعرف الأساس الّذي يحدّد من خلاله برنامجه ، لأنّ خطة الحياة تخضع للأهواء وللشّهوات الّتي تتغيّر وتتبدّل تبعا للظّروف ، من العدم انطلق ، وإلى العدم يعود ، ويتحرّك الوجود معه في أجواء العدم .
وفي كلّ يوم شهوة جديدة ، وهوى جديد ، فإذا أقبلت الأزمات والمشاكل في ظلمات بعضها فوق بعض ، فإنّه يعيش معها التّخبّط والقلق والعقد النّفسيّة ، لأنّه لا يملك نورا يملأ قلبه ويضيء طريقه ، وهكذا تنطبق عليه الآية :
كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها .
ولكن مشكلته أنّه لا يعي معنى النّور ليفهم معنى