تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 612

مساهمون:

ص٦١٢
غير مسؤول إلّا اللّه وحده ، فمن آمن باللّه وألزم نفسه بشريعته وأحكامه فقد سار على بصيرة من أمره في عقيدته وسلوكه ، وإلّا كان مثله كمن يمشي في الظّلمات ليس بخارج منها . ( 3 : 257 ) الطّباطبائيّ : الآية واضحة المعنى ، وهي بحسب ما يسبق إلى الفهم البسيط السّاذج مثل ، مضروب لكلّ من المؤمن والكافر ، يظهر بالتّدبّر فيه حقيقة حاله في الهدى والضّلال ، فالإنسان قبل أن يمسّه الهدى الإلهيّ كالميّت المحروم من نعمة الحياة الّذي لا حسّ له ولا حركة ، فإن آمن بربّه إيمانا يرتضيه كان كمن أحياه اللّه بعد موته ، وجعل له نورا يدور معه حيث دار ، يبصر في شعاعه خيره من شرّه ، ونفعه من ضرّه ، فيأخذ ما ينفعه ، ويدع ما يضرّه ، وهكذا يسير في مسير الحياة . وأمّا الكافر فهو كمن وقع في ظلمات لا مخرج له منها ، ولا مناص له عنها ، ظلمة الموت وما بعد ذلك من ظلمات الجهل في مرحلة تمييز الخير من الشّرّ ، والنّافع من الضّار . ونظير هذه الآية في معناها بوجه قوله تعالى :
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ
الأنعام : 36 ، وقال تعالى :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
النّحل : 97 . ففي الكلام استعارة الموت للضّلال ، واستعارة الحياة للإيمان ، أو الاهتداء والإحياء للهداية إلى الايمان ، والنّور للتّبصّر بالأعمال الصّالحة ، والظّلمة للجهل ، كلّ ذلك في مستوى التّفهيم والتّفهّم العموميّين ، لما أنّ أهل هذا الظّرف لا يرون للإنسان بما هو إنسان حياة وراء الحياة الحيوانيّة الّتي هي المنشأ للشّعور باللّذائذ المادّيّة ، والحركة الإراديّة نحوها . فهؤلاء يرون أنّ المؤمن والكافر لا يختلفان في هذه الموهبة ، وهي فيهما شرع سواء ، فلا محالة عدّ المؤمن حيّا بحياة الإيمان ، ذا نور يمشي به في النّاس ، وعدّ الكافر ميّتا بميتة الضّلال في ظلمات لا مخرج منها ، ليس إلّا مبتنيا على عناية تخييليّة واستعارة تمثيليّة ، يمثّل بها حقيقة المعنى المقصود . لكنّ التّدبّر في أطراف الكلام والتّأمّل فيما يعرّفه القرآن الكريم يعطي للآية معنى وراء هذا الّذي يناله الفهم العامّيّ ، فإنّ اللّه سبحانه ينسب للإنسان الإلهيّ في كلامه حياة خالدة أبديّة ، لا تنقطع بالموت الدّنيويّ ، هو فيها تحت ولاية اللّه محفوظ بكلاءته ، مصون بصيانته ، لا يمسّه نصب ولا لغوب ، ولا يذلّه شقاء ولا تعب ، مستغرب في حبّ ربّه ، مبتهج ببهجة القرب ، لا يرى إلّا خيرا ، ولا يواجه إلّا سعادة ، وهو في أمن وسلام ، لا خوف معه ولا خطر ، وسعادة وبهجة ولذّة لا نفاد لها ولا نهاية لأمدها . ومن كان هذا شأنه فإنّه يرى ما لا يراه النّاس ، ويسمع ما لا يسمعونه ، ويعقل ما لا يعقلونه ، ويريد ما لا يريدونه ، وإن كانت ظواهر أعماله وصور حركاته وسكناته تحاكي أعمال غيره وحركاتهم وسكناتهم وتشابهها ، فله شعور وإرادة فوق ما لغيره من الشّعور والإرادة ، فعنده من الحياة الّتي هي منشأ الشّعور والإرادة ما ليس عند غيره من النّاس ، فللمؤمن مرتبة من الحياة ليست عند غيره .
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 612 | مجمع البحوث الاسلامية