تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 614

مساهمون:

ص٦١٤
على الرّغم من وجود الاختلاف في تفسير هذا « النّور » فالظّاهر أنّ المقصود ليس القرآن وتعاليم الشّرع فحسب ، بل أكثر من ذلك ، يمنح الإيمان باللّه الإنسان رؤية وإدراكا جديدين . يمنحه رؤية واضحة ويوسّع من آفاق نظرته ، لتتجاوز إطار حياته المادّيّة وجدران عالم المادّة الضّيّق إلى عالم أرحب وأوسع . ولمّا كان الإيمان يدعو الإنسان إلى أن يبني نفسه ، فإنّه يزيح عن عينيه أغشية الأنانيّة والتّعصّب والمعاندة والأهواء ، ويريه حقائق ما كان قادرا على إدراكها من قبل . إنّه في ضوء هذا النّور يستطيع أن يميّز مسيرة حياته بين النّاس ، وأن يصون نفسه ويحافظ عليها ، ويحصّنها ضدّ ما يقع فيه الآخرون من أخطار الطّمع والجشع والأفكار المادّيّة المحدودة ، والوقوف بوجه أهوائه وكبح جماحها . إنّ ما نقرأه في الأحاديث الإسلاميّة من أنّ « المؤمن ينظر بنور اللّه » إشارة إلى هذه الحقيقة ، إنّ مجرّد الوصف غير قادر على تبيان خصائص هذه الرّوية الإيمانيّة الّتي يمنحها اللّه للإنسان ، بل ينبغي أن يذوق الإنسان طعمها لكي يدرك بنفسه مغزى هذا القول ، ويحسّ به . ثمّ تقارن الآية بين هذا الإنسان الحيّ ، الفعّال ، النّيّر ، والمؤثّر ، بالإنسان العديم الإيمان والمعاند ، فتقول :
كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها .
نلاحظ أنّ الآية لا تقول : « كمن في الظّلمات » بل تقول :
كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ
يقول بعضهم : إنّ الهدف من هذا التّعبير هو إثبات أنّ هؤلاء الأفراد غارقون في الظّلمات والتّعاسة إلى الحدّ الّذي جعلهم مثلا يعرفه المدركون . وقد يكون ذلك إشارة إلى معنى أدقّ هو : أنّه لم يبق من وجود هؤلاء الأفراد سوى شبح ، أو قالب ، أو مثال أو تمثال ، لهم هياكل خالية من الرّوح وأدمغة معطّلة عن العمل . لا بدّ من القول - أيضا - إنّ « النّور » الّذي يهدي المؤمنين جاء بصيغة المفرد ، بينما « الظّلمات » الّتي يعيش فيها الكافرون جاءت بصيغة الجمع ؛ وذلك لأنّ الإيمان ليس سوى حقيقة واحدة ، وهو يرمز إلى الوحدة والتّوحيد ، بينما الكفر وعدم الإيمان مدعاة للتّشتّت والتّفرقة . ( 4 : 418 ) فضل اللّه : في هذه الآيات وما بعدها ، حديث عن الجوّ الدّاخليّ الّذي يعيشه الإنسان المؤمن ، في الانفتاح على الحياة من خلال الانفتاح على اللّه ، في مقابل الجوّ المنغلق الّذي يعيشه الإنسان الكافر ؛ وذلك من خلال الحديث عن الإنسان الّذي كان ميّتا فأحياه اللّه ، وجعل له نورا يمشي به في النّاس ، ولكن كيف نتمثّل هذه الصّورة ؟ إنّ الموت هنا لا يعني الموت المادّيّ ، وهو انعدام الحياة في الجسد ، بل هو فراغ الإنسان من حركة الفكر والشّعور والإيمان ؛ وذلك عندما يعيش بدون فكرة أو قضيّة ، ولا يعرف ما يريد ، ولا ما ذا يراد به ، فلا مجال لأيّة حركة للحياة في أعماقه ولا من حوله ، لأنّ قضيّة الحياة والموت في الجانب الرّوحيّ والفكريّ في الإنسان تتمثّل في ما ينطلق به من آفاق وأوضاع وأفكار ومشاريع