بمحبّة الحقّ ، وأيضا الموت بالنّكرة ، والحياة بالمعرفة .
وفرّق بين حياة المعرفة وحياة البشريّة ، فأهل العموم حيّ بحياة البشريّة ؛ لكنّه كالميّت في قبر قالبه ، لا يمكنه الخروج من ظلمات وجوده المجازيّ . وأهل الخصوص حيّ بحياة المعرفة ، فحياة البشريّة تزول لقوله تعالى :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
آل عمران : 185 ، بخلاف حياة المعرفة ، لقوله تعالى :
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
النّحل : 97 ، وقوله عليه السّلام : « المؤمن حيّ في الدّارين » .
( 3 : 97 )
الآلوسيّ : تمثيل مسوق لتنفير المسلمين عن طاعة المشركين ، إثر تحذيرهم عنها بالإشارة إلى أنّهم مستضيئون بأنوار الوحي الإلهيّ ، والمشركون غارقون في ظلمات الكفر والطّغيان ، فكيف يعقل طاعتهم له ؟
( 8 : 18 )
مغنيّة : هذا مثل ضربه اللّه تعالى للمقارنة بين المؤمن والكافر . وتوضيحه أنّ المقارنة بينهما تماما كالمقارنة بين الموت والحياة ، والنّور والظّلام ، فالكافر ميّت ، فإذا آمن بعث من جديد ، وعادت إليه الحياة ، وإيمانه نور يمشي به في حياته على بصيرة من أمره .
ومن بقي على الكفر والشّرك ، فهو كمن يتخبّط في الظّلمات ، يسير على غير هدى ، ولا يصل إلى خير مدى حياته كلّها .
قد يقول القائل : إنّ الآية شبّهت الإيمان بالحياة ، والكفر بالموت ، مع أنّ الكافرين والملحدين في هذا العصر أكثر ثراء ورفاهية من المؤمنين والعابدين ؟
الجواب : ليس المراد بالحياة في هذه الآية أن يعيش الإنسان في النّعيم والرّفاهية ، فيأكل طيّبا ، ويلبس ثمينا ، ويشرب سائغا . إنّ الرّفاهية لا تناط بالكفر ولا بالإيمان ، وإلّا كان المؤمنون سواء في الشّرق والغرب من حيث الحضارة والرّفاهية ، وكذلك الملحدون والكافرون . إنّ للرّفاهية أسبابا وملابسات لا تمّت إلى الإيمان والكفر بسبب . وإنّما المراد بالحياة في الآية : الإيمان والشّعور الدّينيّ الّذي يدفع بصاحبه إلى القيام بالواجب كإنسان مسؤول عن سلوكه ، يحاسب عليه ويكافا على إحسانه بالثّواب ، وإساءته بالعقاب .
ولو كان الإنسان غير مسؤول عن شيء لكانت الشّرائع والقوانين ألفاظا بلا معان . ومتى سلّمنا بأنّ الإنسان مسؤول ، ولا يترك سدّى يلزمنا حتما أن نسلّم بأنّه مسؤول أمام من لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون .
ولو كان هذا السّائل مسؤولا لوجب وجود سائل له ، وهكذا إلى ما لا نهاية .
ومن كفر بوجود السّائل الأعلى الّذي يسأل ولا يسأل ، فقد كفر بالمسؤوليّة ونفاها من الأساس ، لأنّه لا مسؤوليّة من غير سائل ، ومن كفر بالمسؤوليّة فقد كفر بالحياة الاجتماعيّة .
وتقول : أجل ، إنّ الإنسان مسؤول ، ولكن ليس من الضّروريّ أن يكون السّائل هو اللّه ، فللنّاس أن يختاروا هيئة منهم يكون الإنسان مسؤولا أمامها .
ونسأل بدورنا : إذا أخطأت هذه الهيئة فمن يسألها ويحاسبها ؟ وإن قيل : الوجدان ، قلنا : أوّلا : الوجدان أمر معنويّ لا عينيّ . وثانيا : إنّ الوجدان مشاع يدّعيه كلّ واحد ، فلماذا يترك هذا لوجدانه دون ذاك ؟ إذن ، لا سائل