تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 468

مساهمون:

ص٤٦٨
( المحيض ) في الآية تصلح للمصدر والزّمان ، فتقدير المصدر : يسألونك عن حيض المرأة ما حكمه من المجامعة وغيرها ؟ وتقدير الزّمان : يسألونك عن حال المرأة وقت الحيض ما حكمها في مجامعة الرّجل إيّاها ؟ [ ثمّ ذكر نحو الطّوسيّ ] ( 1 : 51 ) الفخر الرّازيّ : أصل الحيض في اللّغة السّيل ، يقال : حاض السّيل وفاض ، قال الأزهريّ : ومنه قيل للحوض : حوض ، لأنّ الماء يحيض إليه أي يسيل إليه ، والعرب تدخل الواو على الياء ، والياء على الواو ، لأنّهما من جنس واحد . إذا عرفت هذا فنقول : إنّ هذا البناء قد يجيء للموضع ، كالمبيت ، والمقيل ، والمغيب ، وقد يجيء أيضا بمعنى المصدر ، يقال : حاضت محيضا . وجاء مجيئا ، وبات مبيتا ، وحكى الواحديّ في « البسيط » عن ابن السّكّيت : إذا كان الفعل من ذوات الثّلاثة ، نحو : كال يكيل ، وحاض يحيض ، وأشباهه ، فإنّ الاسم منه مكسور ، والمصدر مفتوح ، من ذلك مال ممالا ، وهذا مميله ، يذهب بالكسر إلى الاسم ، وبالفتح إلى المصدر ، ولو فتحهما جميعا أو كسرهما في المصدر والاسم لجاز ، تقول العرب : المعاش والمعيش . والمغاب والمغيب ، والمسار والمسير ، فثبت أنّ لفظ المحيض حقيقة في موضع الحيض ، وهو أيضا اسم لنفس الحيض . وإذا ثبت هذا فاعلم أنّ أكثر المفسّرين من الأدباء زعموا أنّ المراد ب ( المحيض ) هاهنا الحيض ، وعندي أنّه ليس كذلك ؛ إذ لو كان المراد ب ( المحيض ) هاهنا الحيض لكان قوله :
فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ
معناه : فاعتزلوا النّساء في الحيض ، ويكون المراد فاعتزلوا النّساء في زمان الحيض ، فيكون ظاهره مانعا من الاستمتاع بها فيما فوق السّرّة ودون الرّكبة ، ولمّا كان هذا المنع غير ثابت لزم القول بتطرّق النّسخ أو التّخصيص إلى الآية ، ومعلوم أنّ ذلك خلاف الأصل . أمّا إذا حملنا ( المحيض ) على موضع الحيض ، كان معنى الآية : فاعتزلوا النّساء في موضع الحيض ، ويكون المعنى : فاعتزلوا موضع الحيض من النّساء ، وعلى هذا التّقدير لا يتطرّق إلى الآية نسخ ولا تخصيص . ومن المعلوم أنّ اللّفظ إذا كان مشتركا بين معنيين ، وكان حمله على أحدهما يوجب محذورا ، وعلى الآخر لا يوجب ذلك المحذور ، فإنّ حمل اللّفظ على المعنى الّذي لا يوجب المحذور أولى . هذا إذا سلّمنا أنّ لفظ المحيض مشترك بين الموضع وبين المصدر ، مع أنّا نعلم أنّ استعمال هذا اللّفظ في الموضع أكثر وأشهر منه في المصدر . فإن قيل : الدّليل على أنّ المراد من المحيض الحيض ، أنّه قال :
هُوَ أَذىً
أي المحيض أذى ، ولو كان المراد من المحيض الموضع لما صحّ هذا الوصف . قلنا : بتقدير أن يكون المحيض عبارة عن الحيض ، فالحيض في نفسه ليس بأذى ، لأنّ الحيض عبارة عن الدّم المخصوص ، والأذى كيفيّة مخصوصة ، وهو عرض ، والجسم لا يكون نفس العرض ، فلا بدّ وأن يقولوا : المراد منه أنّ الحيض موصوف بكونه أذى ، وإذا جاز ذلك فيجوز لنا أيضا أن نقول : المراد أنّ ذلك الموضع ذو أذى . وأيضا لم لا يجوز أن يكون المراد من المحيض الأوّل هو الحيض ، ومن المحيض الثّاني موضع الحيض ؟ وعلى هذا
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 468 | مجمع البحوث الاسلامية