1 -
. . . كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ . . .
الأنعام : 71
يلاحظ أوّلا : أنّ هذا اللّفظ وحيد الجذر في القرآن ، وفيه بحوث :
1 - قابل اللّه في هذا المثل الشّياطين بأصحاب الهدى ، فالفريق الأوّل يوسوس للإنسان فيصناع له لحيرته ، والفريق الثّاني يدعوه إلى الطّريق الواضح - أي الإسلام - فيأبى لضلاله .
وتفصح هذه المقابلة عن شدّة الصّراع الّذي كان دائرا بين مشركي مكّة الّذين وصفوا بالشّياطين . وبين المسلمين أثناء الجهر بالإسلام والدّعوة إليه في ذلك الزّمان .
وهو مثل يضرب لمن يفضّل الهوى على الهدى ، ولا يخصّ شخصا بعينه ، أو من ارتدّ بعد الإيمان كما ذكر بعض ، لأنّ هذه الآية مكّيّة ، ولم تنقل لنا الأخبار حدثا كهذا في مكّة .
2 - ( حيران ) منصوب على الحال ، وصاحبه الضّمير في ( استهوته ) أي الهاء ، والعامل فيه الفعل المتقدّم . وهو صفة مشبّهة ، ووزنه « فعلان » ، ممنوع من الصّرف ، لأنّ مؤنّثه حيرى على وزن « فعلى » .
3 - قال الفخر الرّازيّ : « اعلم أنّ هذا المثل في غاية الحسن ، وذلك لأنّ الّذي يهوي من المكان العالي إلى الوهدة العميقة يهوي إليها مع الاستدارة على نفسه ، لأنّ الحجر حال نزوله من الأعلى إلى الأسفل ينزل على الاستدارة ، وذلك يوجب كمال التّردّد والتّحيّر . وأيضا فعند نزوله لا يعرف أنّه يسقط على موضع يزداد بلاؤه بسبب سقوطه عليه أو يقلّ .
فإذا اعتبرت مجموع هذه الأحوال ، علمت أنّك لا تجد مثالا للمتحيّر المتردّد الخائف أحسن ولا أكمل من هذا « المثال » . ولكلّ من المفسّرين القدامى والمتأخّرين توصيف خاصّ لهذا التّمثيل ، فلاحظ النّصوص .
ثانيا : استعملت الحيرة هنا صفة ، واستعمل العمة - وهو الحيرة أيضا - في سبعة مواضع فعلا بلفظ ( يعمهون ) وهو بمعنى الصّفة أيضا ، إلّا أنّ الأوّل ورد في الضّلال ، والثّاني في الطّغيان والسّكرة ، انظر ( ع م ه ) .