شجرة الزّقّوم ، وفيها بحوث :
1 - وقد أكّد فيها أيضا مثل آيات الواقعة على أنّهم يأكلون الزّقّوم حتّى يملؤون منها البطون ثمّ يتبعها بما يذكّر شربهم من دون تصريح به ، وهو ( أنّ لهم لشوبا من حميم ) .
2 - قال الطّبرسيّ ( 4 : 445 - 447 ) : « والشّوب خلط الشّيء بما ليس منه ، وهو شرّ منه . . . أي خليطا ومزاجا من ماء حارّ يمزج ذلك الطّعام بهذا الشّراب .
وقيل : إنّهم يكرهون على ذلك عقوبة لهم » .
وقال الفخر الرّازيّ ( 26 : 143 ) : « واعلم أنّهم إذا شبعوا فحينئذ يشتدّ عطشهم ويحتاجون إلى الشّراب ، فعند هذا وصف اللّه شرابهم - وذكر الآية وقال نقلا عن الزّجّاج - : الشّوب اسم عامّ في كلّ ما خلط بغيره ، والحميم : الماء الحارّ المتناهي في الحرارة ، والمعنى أنّه إذا غلبهم ذلك العطش الشّديد سقوا من ذلك الحميم ، فحينئذ يشوب الزّقّوم بالحميم » .
وعندنا أنّ ذكر « الشّوب » بدل « الشّرب » يشعر بأنّهم يشربون خلال الأكل فيخلط الحميم بالزّقّوم في بطونهم ، وكلاهما يضاعف العطش ، ولا يصبرون من شدّة العطش حتّى يشبعوا وينتهوا من الأكل ، بل يأكلون ويشربون معا ، وهذا أبلغ في تصوير غلبة الجوع والعطش عليهم ، وفي حرصهم على الأكل والشّرب معا .
3 - كلمة ( عليها ) فيها أيضا - مثل ما سبق - مشعرة بأنّ الشّرب ناشئ عن الأكل ، وضمير التّأنيث راجع إلى شجرة الزّقّوم ، كما في قبلها
لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ
أي إنّ لهم على أكلها خلطا من الحميم يشربه ، لكنّه انصرف عن إرجاع الضّمير إلى « أكلها » وأرجعه إلى الشّجرة نفسها ، كما انصرف عن ذكر الثّمرة إلى نفس الشّجرة مبالغة وتأكيدا . قال ابن عبّاس - وتبعه غيره - : « أي شرب الحميم على الزّقّوم » . وقال السّدّيّ :
« يشاب لهم الحميم بغسّاق أعينهم ، وصديد من قيحهم ودمائهم » ونحوه عن ابن زيد : والظّاهر هو الأوّل ، لعدم ذكر ( الغسّاق ) فيها ، كما ذكر في ( 7 و 8 ) كما يأتي .
4 - ذكر الفخر الرّازيّ هنا في كلمة ( ثمّ ) وجهين :
الأوّل : أنّ عطشهم يعظم بالأكل ، ولكنّهم لا يسقون إلّا بعد مدّة مديدة ، والغرض تكميل التّعذيب .
والثّاني : أنّه تعالى ذكر الطّعام بتلك البشاعة والكراهة ، ثمّ وصف الشّراب بما هو أبشع منه ، أي أنّ حال المشروب في البشاعة أعظم من حال المأكول .
ونقول : إنّه اتّخذ ( ثمّ ) في الوجه الأوّل للتّأخير في الزّمان ، وفي الثّاني للتّأخير في البشاعة ، وكلاهما يجتمع مع ما قلناه في ( الشّوب ) من شراب الحميم خلال الأكل والاختلاط بينهما ، أي يغلب عليهم العطش خلال الأكل ، لكنّهم يسقون بعد كلّ لقمة بفصل مدّة ، أو بشرب أبشع منه . وعلى كلّ حال فتكرار ( ثمّ ) فيها :
ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ ،
يحكي عن صعوبة العمل ودوامه ، ففيه تأخير بعد تأخير في الزّمان والمكان والبشاعة .
5 - استفاد الفخر الرّازيّ عن
ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ
أنّهم حين شرب الحميم لم يكونوا في الجحيم ؛ وذلك بأن يكون الحميم من موضع خارج عن الجحيم ، فهم يوردون الحميم لأجل الشّرب كما تورد الإبل إلى