3 - قال أبو السّعود : « استئناف آخر مبيّن لكيفيّة الإبسال المذكور وعاقبته ، مبنيّ على سؤال نشأ من الكلام ، كأنّه قيل : ماذا لهم حين أبسلوا بما كسبوا ؟
فقيل : لهم شراب من ماء مغليّ يتجرجر في بطونهم ، وتتقطّع به أمعاؤهم » .
4 - قد جمع اللّه فيها - وكذا في ( 2 ) - بين شراب حميم وعذاب أليم بسبب أنّهم كانوا يكفرون ، أي دام كفرهم في الحياة الدّنيا إلى آخرها .
الآيات ( 3 - 5 ) وكلّها من سورة الواقعة ، وجاء فيها ( حميم ) ثلاث مرّات : مرّتين نكرة ، ومرّة معرفة ، وفيها بحوث :
1 - ذكر في ( 3 ) في وصف أصحاب الشّمال أوصافا ثلاثة :
فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ،
ظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ ،
لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ :
أ - قال الطّبرسيّ ( 5 : 220 و 221 ) : « السّموم : الرّيح الحارّة الّتي تدخل مسامّ البدن ، ومسامّ البدن خروقه ، ومنه أخذ السّمّ الّذي يدخل في المسامّ . ثمّ قال :
فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ،
أي في ريح حارّة تدخل مسامّهم وخروقهم ، وفي ماء مغليّ حارّ انتهت حرارته » .
وقال الفخر الرّازيّ ( 29 : 168 ) : « ما الحكمة في ذكر السّموم وترك ذكر النّار وأهوالها ؟
نقول : فيه إشارة بالأدنى إلى الأعلى ، فقال : هواؤهم الّذي يهبّ عليهم سموم ، وماؤهم الّذي يستغيثون به حميم ، مع أنّ الهواء والماء أبرد الأشياء . وهما أي السّموم والهميم من أضرّ الأشياء بخلاف الهواء والماء في الدّنيا ، فإنّهما من أنفع الأشياء ، فما ظنّك بنارهم الّتي هي عندنا أحرّ .
ولو قال : « هم في نار » كنّا نظنّ أنّ نارهم كنارنا ، لأنّا ما رأينا شيئا أحرّ من النّار الّتي رأيناها ، ولا أحرّ من السّموم ، ولا أبرد من الزّلال ، فقال : أبرد الأشياء لهم أحرّها ، فكيف حالهم مع أحرّها » .
ثمّ فسّر السّموم [ لاحظ س م م ] كما فسّر الحميم ، وقال : « وهو الماء الحارّ ، وهو « فعيل » بمعنى فاعل ، من حمم الماء بكسر الميم ، أو بمعنى « مفعول » من حمّ الماء إذا سخنه ، وقد ذكرناه مرارا ، إلّا أنّ هاهنا لطيفة لغويّة ، وهي أنّ « فعولا » لما تكرّر منه الشّيء والرّيح لمّا كانت كثيرة الهبوب تهبّ شيئا بعد شيء خصّ ( السّموم ) بالفعول ، والماء الحارّ لمّا كان لا يفهم منه الورود شيئا بعد شيء لم يقل فيه ( حموم ) » .
ب :
وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ ،
وقد فسّره الطّبرسيّ كما يأتي ، ثمّ قال في :
لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ :
« أي لا بارد المنزل ولا كريم المنظر » عن قتادة ، وقيل : لا بارد يستراح إليه ، لأنّه دخان جهنّم ، ولا كريم فيشتهى مثله ، وقيل : « لا منفعة فيه بوجه من الوجوه » .
والعرب إذا أرادت نفي صفة الحمد عن شيء نفت عنه الكرم ، لاحظ « س م م ، وك ر م » .
ج : وقال الفخر الرّازيّ ( 29 : 168 ) : « وفي الأمور الثّلاثة إشارة إلى كونهم في العذاب دائما ، لأنّهم إن تعرّضوا لمهبّ الهواء أصابهم الهواء الّذي هو السّموم ، وإن استكنّوا كما يفعله الّذي يدفع عن نفسه السّموم بالاستكنان في الكنّ يكونوا في ظلّ من يحموم ، وإن أرادوا الرّدّ عن أنفسهم السّموم بالاستكنان في مكان من