تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
إلّا تعلّق شأن من شؤون اللّه بالمرء وقلبه ، أي جثمانه وعقله دون شيء آخر خارج عنهما ، مثل دعوة الإيمان ودعوة الكفر ، وأنّ كلمة ( بين ) تقتضي شيئين ، فما يكون تحول إلّا إلى أحدهما لا إلى أمر آخر خارج عنهما كالطّبائع ، فإنّ ذلك تحويل وليس حؤلا . ( 9 : 69 ) مغنيّة : القلب محلّ الإيمان والكفر ، والإخلاص والنّفاق . [ إلى أن قال : ] وبهذا يتّضح أنّ المراد بالمرء الّذي يحول اللّه بينه وبين قلبه هو الّذي أعماه الهوى والضّلال ، وعليه تكون هذه الآية بمعنى الآية :
خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ
البقرة : 7 ، أي أنّهم لا ينتفعون بقلوبهم بسبب ما ران عليها من الضّلال ، حتّى كأنّ اللّه قد ختم عليها أو حال بين أصحابها وبينها . . . وعلى هذا تكون نسبة الختم والمنع إليه تعالى مجازا ، لا حقيقة . وذهب جماعة من المفسّرين إلى أنّ معنى قوله تعالى :
يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
أنّ القلب في قبضة اللّه يقلّبه كيف يشاء ، فيفسخ عزائمه ويبدله بالذّكر نسيانا ، وبالنّسيان ذكرا ، وبالخوف أمنا ، وبالأمن خوفا . . . وكلّ من التّفسيرين محتمل . ( 3 : 466 ) الطّباطبائيّ : الحيلولة هي التّخلّل وسطا . [ إلى أن قال : ] فاللّه سبحانه هو الحائل المتوسّط بين الإنسان وبين قلبه ، وكلّ ما يملكه الإنسان ويرتبط ويتّصل هو به نوعا من الارتباط والاتّصال ، وهو أقرب إليه من كلّ شيء ، كما قال تعالى :
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
ق : 16 . وإلى هذه الحقيقة يشير قوله :
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
فهو تعالى لكونه مالكا لكلّ شيء ، ومن جملتها الإنسان ملكا حقيقيّا لا مالك حقيقة سواه ، أقرب إليه حتّى من نفسه ، وقوى نفسه الّتي يملكها ، لأنّه سبحانه هو الّذي يملّكه إيّاها ، فهو حائل متوسط بينه وبينها ، يملّكه إيّاها ويربطها به ، فافهم ذلك . ولذلك عقّب الجملة بقوله :
وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
فإنّ الحشر والبعث هو الّذي ينجلي عنده أنّ الملك الحقّ للّه وحده لا شريك له ، ويبطل عند ذلك كلّ ملك صوريّ وسلطنة ظاهريّة إلّا ملكه الحقّ جلّ ثناؤه ، كما قال سبحانه :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
المؤمن : 16 ، وقال :
يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ
الانفطار : 19 . فكأنّ الآية تقول : واعلموا أنّ اللّه هو المالك بالحقيقة لكم ولقلوبكم ، وهو أقرب إليكم من كلّ شيء ، وأنّه ستحشرون إليه ، فيظهر حقيقة ملكه لكم وسلطانه عليكم يومئذ ، فلا يغني عنكم منه شيء . وأمّا اتّصال الكلام ، أعني ارتباط قوله :
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
إلخ بقوله :
اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ
فلأنّ حيلولته سبحانه بين المرء وقلبه ، يقطع منبت كلّ عذر في عدم استجابته للّه والرّسول ، إذا دعاه لما يحييه ، وهو التّوحيد الّذي هو حقيقة الدّعوة الحقّة ، فإنّ اللّه سبحانه لمّا كان أقرب إليه من كلّ شيء حتّى من قلبه الّذي يعرفه بوجدانه قبل كلّ شيء ، فهو تعالى وحده لا شريك له أعرف إليه من قلبه
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 369 | مجمع البحوث الاسلامية