تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
عبد الكريم الخطيب : إشارة إلى ما للّه سبحانه وتعالى من قدرة وعلم ، وأنّه بقدرته قادر على كلّ شيء ، وبعلمه محيط بكلّ شيء . فالإنسان لا يملك من أمر نفسه شيئا مع ما للّه عليه من سلطان ، حتّى إنّ قلبه الّذي هو بين جنبيه ، والّذي هو الجهاز الممسك بزمام الحياة فيه ، واقع تحت سلطان اللّه ، يصرفه كيف يشاء ، ويحوّله إلى حيث يريد ، وإذا الإنسان في واد ، وقلبه في واد آخر . . . وإذ كان ذلك كذلك ، فإنّ من السّفه أن يتحدّى الإنسان أمر اللّه ، ولا يستجيب له إذا دعاه إليه ، ولا يطيع رسول اللّه إذا بلغه رسالة ربّه ، فإنّه بهذا يهلك نفسه ؛ إذ يحول بينهما وبين الخير الّذي يدعوها اللّه ورسوله إليه ، ويقطع عنها شريان الحياة ، كما يقطع اللّه سبحانه وتعالى عنه أسباب الحياة ، حين يمسك قلبه فلا يخفق أبدا . ( 5 : 589 ) مكارم الشّيرازيّ : إنّ المقصود بالقلب هنا - كما ذكرنا سابقا - الرّوح والعقل ، أمّا عن كيف يحول اللّه بين المرء وقلبه فقد ذكروا لذلك احتمالات مختلفة . فتارة قيل : إنّه إشارة لشدّة قرب اللّه من عباده ، فكأنّ اللّه في داخل روح العبد وجسمه ، وكما يقول القرآن الكريم :
وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ
ق : 16 . وقيل : إشارة إلى أنّ تقلّب القلوب والأفكار هي بيد اللّه ، كما نقرأ في الدّعاء : « يا مقلّب القلوب والأبصار » . وقيل : إنّ المقصود هو أنّه إذا لم يكن اللّطف الإلهيّ ، فلن يقدر الإنسان على معرفة أحقّيّة الحقّ وبطلان الباطل . وقيل أيضا : إنّ المقصود هو أنّه ما دام للنّاس فرصة ، فينبغي عليهم أداء الطّاعات وأعمال الخير ، لأنّ اللّه قد يحول بواسطة الموت بين المرء وقلبه . ويمكن بنظرة شاملة جمع كلّ التّفاسير في تفسير واحد ، هو أنّ اللّه عزّ وجلّ حاضر وناظر ومهيمن على كلّ المخلوقات . فإنّ الموت والحياة والعلم والقدرة والأمن والسّكينة والتّوفيق والسّعادة ، كلّها بيديه وتحت قدرته ، فلا يمكن للإنسان كتمان أمر مّا عنه ، أو أن يعمل أمرا بدون توفيقه ، وليس من اللّائق التّوجّه لغيره وسؤال من سواه . لأنّه مالك كلّ شيء ، والمحيط بجميع وجود الإنسان . وارتباط هذه الجمل مع سابقتها من وجهة أنّه لو دعا النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله النّاس إلى الحياة ، فذلك لأنّ الّذي أرسله هو مالك الحياة والموت والعقل والهداية ومالك كلّ شيء . وللتّأكيد على هذا الموضوع فإنّ الآية تقول ما معناه : إنّكم لستم اليوم في حدود قدرته فحسب ، بل ستذهبون إليه في العالم الآخر ، فهنا وهناك كلّ النّاس بين يديه . ( 5 : 362 ) فضل اللّه : ربّما كان ذلك كناية عن الهيمنة الإلهيّة على الإنسان ، فله السّلطة عليه بما لا يملكه من نفسه ، فهو قادر على أن يغيّر له فكره في أيّ جانب من الجوانب ، ويحول بينه وبينه ، وهذا من أوضح مظاهر السّلطة والقدرة ، لأنّ أعلى مظاهر القدرة هي السّيطرة على الدّاخل الّذي يختصّ أمره بالإنسان نفسه ، لأنّ النّاس - عادة - لا يملكون الضّغط إلّا على الجانب الخارجيّ من الإنسان ، وهو الجسد . أمّا الفكر ، فلا يملك النّاس الضّغط