وكذلك الانسان إذا وجد قلبه غير مقبل على كلمة الحقّ والعزم على الخير وصالح العمل ، عليه أن يبادر إلى استجابة اللّه ورسوله فيما يدعوه إلى ما يحييه ، ولا ينهزم عمّا يهجم عليه من أسباب اليأس وعوامل القنوط من ناحية قلبه ، فإنّ اللّه سبحانه يحول بين المرء وقلبه ، وهو القادر على أن يصلح سرّه ، ويحوّل قلبه إلى أحسن حال ، ويشمله بروح منه ورحمة ، فإنّما الأمر إليه ، وقد قال :
إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ
يوسف : 87 ، وقال :
وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ
الحجر : 56 .
فالآية الكريمة - كما ترى - من أجمع الآيات القرآنيّة تشتمل على معرفة حقيقيّة من المعارف الإلهيّة - مسألة الحيلولة - وهي تقطع عذر المتجاهلين في معرفة اللّه سبحانه من الكفّار والمشركين ، وتقلع غرّة النّفاق من أصلها بتوجيه نفوس المنافقين إلى مقام ربّهم ، وأنّه أعلم بما في قلوبهم منهم ، ويلقي إلى المسلمين والّذين هم في طريق الإيمان باللّه وآياته مسألة نفسيّة ، تعلّمهم أنّهم غير مستقلّين في ملك قلوبهم ، ولا منقطعون في ذلك من ربّهم ، فيزول بذلك رذيلة الكبر عمّن يرى لنفسه استقلالا وسلطنة فيما يملكه ، فلا يغرّه ما يشاهده من تقوى القلب وإيمان السّرّ ، ورذيلة اليأس والقنوط عمّن يحيط بقلبه دواهي الهوى ودواعي أعراض الدّنيا ، فيتثاقل عن الإيمان بالحقّ ، والإقبال على الخير ، ويورثه ذلك اليأس والقنوط .
وممّا تقدّم يظهر أنّ قوله :
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ
إلخ ، تعليل لقوله تعالى :
اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ
على جميع التّقادير من وجوه معناه .
وبذلك يظهر أيضا أنّ الآية أوسع معنى ممّا أورده المفسّرون من تفسيرها : كقول من قال : إنّ المراد أنّ اللّه سبحانه أقرب إلى المرء من قلبه ، نظير قوله : ونحن أقرب إليكم من حبل الوريد وفيه تحذير شديد .
وقول من قال : إنّ المراد أنّ القلب لا يستطيع أن يكتم اللّه حديثا ، فإنّ اللّه أقرب إلى قلب الإنسان من نفسه ، فما يعلمه الإنسان من قلبه يعلمه اللّه قبله .
وقول من قال : إنّ المراد أنّه يحول بين المرء وبين الانتفاع بقلبه بالموت ، فلا يمكنه استدراك ما فات ، فبادروا إلى الطّاعات قبل الحيلولة ودعوا التّسويف ، وفيه حثّ على الطّاعة قبل حلول المانع .
وقول من قال : معناه أنّ اللّه سبحانه يملك تقليب القلوب من حال إلى حال ، فكأنّهم خافوا من القتال ، فأعلمهم اللّه سبحانه أنّه يبدّل خوفهم أمنا ، بأن يحول بينهم وبين ما يتفكّرون فيه من أسباب الخوف .
وقد ورد في الحديث عن أئمّة أهل البيت عليهم السّلام ، أنّ المراد بذلك أنّ اللّه سبحانه يحول بين الإنسان وبين أن يعلم أنّ الحقّ باطل ، أو أنّ الباطل حقّ . . . ( 9 : 46 )
حسنين مخلوف : أي يحول بين المرء وخواطر قلبه ، فيمنعه من حصول ما لم يرده منه ، فلا يقدر الإنسان أن يدرك شيئا من إيمان أو كفر ، أو أن يعي شيئا إلّا بمشيئته تعالى ، من الحول بين الشّيء والشّيء ، بمعنى الحجز والفصل بينهما . وهو مجاز عن غاية قربه تعالى من العبد . ( 1 : 298 )