تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
وممّا يؤيّد ما فهمناه في هذا المقام مقام حرمان الرّاسخين في الكفر من سماع الفقه والهدى ، والحيلولة بين المرء وقلبه أن يعصي الهوى ،
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ
الجاثية : 23 ، فهي صريحة في أنّ من هذا حاله ليس مجبورا عليه ، وأنّ اللّه لم يحرمه الهدى بإعجازه عنه - وهو يؤثّره ويفضّله - أو بإكراهه على اتّباع الهوى - وهو كاره له - فإنّه أسند إليه اتّخاذ هواه إلهه ، وقد قال تعالى لنبيّه داود عليه السّلام :
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
ص : 26 . فهذا نصّ في أنّ اتّباع الهوى سبب للضّلال عن سبيل اللّه ، فقوله في آية الجاثية :
وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ
ليس معناه أنّه تعالى خلق فيه الضّلال استقلالا كما يدّعي بعض المتكلّمين ، بل هو داخل في سنّته تعالى في الأسباب والمسبّبات . ويؤيّده إثبات كون ضلاله على علم ، وهو أنّه متعمّد لاتّباع الهوى ، مؤثّرا له على الهدى ، واللّه تعالى يسند الأمور إلى أسبابها تارة ، وإليه تعالى تارة من حيث إنّه خالق كلّ شيء ، وواضع سنن الأسباب والمسبّبات . ومن الأسباب ما جعله من أفعال المخلوقات الاختياريّة على علم ، وما جعله بأسباب لا يعلم للخلق اختيار فيها ولا علم وكلّ من القسمين يسند إلى سببه تارة ، وإلى ربّ الأسباب تارة ، والجهة مختلفة معروفة ، ويختار هذا أو ذاك في البيان بحسب سياق الكلام ، كقوله تعالى في الحرث :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ * أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ
الواقعة : 64 ، فهل يقول عاقل : إنّ الفلاح لا فعل له ولا اختيار في زرعه ، وأنّ اللّه يخلقه له بدون إرادته ولا فعله ، أو أنّ فعله وتركه في أرضه سواء ، وتلقيحه لنخله وعدمه سيّان ؟ وجملة القول : أنّ من سننه تعالى في البشر ، أنّ من يتّبع هواه في أعماله ، ويستمرّ على ذلك ويدمنه الزّمن الطّويل ، تضعف إرادته في هواه ، حتّى تذوب وتفنى فيه ، فلا تعود تؤثّر فيه المواعظ القوليّة ، ولا العبر المبصرة ولا المعقولة ، وهذه الحالة يعبّر عنها بالختم والرّين والطّبع على القلب ، وبالصّمم والعمى والبكم ، كما تقدّم آنفا ، وسبق مثله في تفسير سورة البقرة وغيرها . وأمثال هذه الأمثال المضروبة لهذه الحالة قد ضلّ بها الجبريّة ، غافلين عن كونها عاقبة طبيعيّة لإدمان تلك الأعمال الاختياريّة ، كالخمار الّذي يعتري مدمن الخمر ، فيشعر بفتور وألم عصبيّ لا يسكن إلّا بالعودة إلى الشّرب ، على أنّ هذه الآية علّمتنا عدم اليأس . ومن تفسير القرآن بالقرآن في تقليب القلوب ، والحيلولة بينها وبين إرادة الإنسان المتصرّفة في قدرته ومشاعره ، قوله تعالى :
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ . وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
الأنعام : 110 ، فيراجع معناها في آخر تفسير الجزء السّابع . وقال الرّاغب : تقليب اللّه القلوب : صرفها من رأي إلى رأي . وذكر آية الأنعام هذه . ومن تفسير الآية المأثور في السّنّة ما رواه ابن مردويه في تفسيرها عن ابن عبّاس . مرفوعا : « يحول بين