أن نعلمهما علما يقينا إذعانيّا ، لما لهما من الشّأن في مقام الوصيّة ، بالاستجابة لدعوة الحياة الإنسانيّة العليا الّتي فيها سعادة الدّنيا والآخرة .
الأوّل : أنّ من سنّة اللّه في البشر الحيلولة بين المرء وبين قلبه ، الّذي هو مركز الوجدان والإدراك ، ذي السّلطان على إرادته وعمله ، وهذا أخوف ما يخافه المتّقيّ على نفسه ، إذا غفل عنها وفرّط في جنب ربّه ، كما أنّه أرجى ما يرجوه المسرف عليها ، إذا لم ييأس من روح اللّه فيها . فهذه الجملة أعجب جمل القرآن ، ولعلّها أبلغها في التّعبير ، وأجمعها لحقائق علم النّفس البشريّة ، وعلم الصّفات الرّبّانيّة ، وعلم التّربية الدّينيّة ، الّتي تعرف دقائقها بما تثمره من الخوف والرّجاء ، فبينا زيد يسير على سبيل الهدى ، ويتّقي بنيّات طرق الضّلالة الموصلة إلى مهاوي الرّدى ، إذا بقلبه قد تقلّب بعصوف هوى جديد ، يميل به عن الصّراط المستقيم ، من شبهة تزعزع الاعتقاد ، أو شهوة يغلّب بها الغيّ على الرّشاد ، فيطيع هواه ، ويتّخذه إلهه من دون اللّه :
أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا
الفرقان : 43 ، على أنّه فيه مختار ، فلا جبر ولا اضطرار .
ويقابل هذا من الحيلولة ما حكى بعضهم عن نفسه ، أنّه كان منهمكا في شهواته ولهوه ، تاركا لهداه وطاعة ربّه ، فنزل يوما في زورق مع خلّان له في نهر دجلة للتّنزّه ، ومعهم النّبيذ والمعازف ، فبيناهم يعزفون ويشربون ، إذ التقوا بزورق آخر فيه تال للقرآن ، يرتّل سورة :
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ
الشّمس : 1 ، فوقعت تلاوته من نفسه موقع التأثير والعظة ، فاستمع له وأنصت ، حتّى إذا بلغ قوله تعالى :
وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ
التّكوير : 10 ، امتلأ قلبه خشية من اللّه ، وتدبّرا لاطّلاعه على صحيفة عمله يوم يلقاه ، فأخذ العود من العازف فكسره ، وألقاه في دجلة ، وثنّى بنبذ قنانيّ « 1 » النّبيذ وكؤوسه فيها ، وصار يردّد الآية ، وعاد إلى منزله تائبا من كلّ معصية ، مجتهدا في كلّ ما يستطيع من طاعة .
فتذكير اللّه تعالى إيّانا بهذا الشّأن من شؤون الإنسان ، وهذه السّنّة القلبيّة من سنن اللّه تعالى في الإرادات والأعمال ، وأمره إيّانا بأن نعلمها علم إيقان وإذعان ، يفيدنا فائدتين لا يكمل بدونهما الإيمان ، وهما :
أن لا يأمن الطّائع المشمّر من مكر اللّه فيغترّ بطاعته ، ويعجب بنفسه ، وأن لا ييأس العاصي والمقصّر في الطّاعة من روح اللّه ، فيسترسل في اتّباع هواه ، حتّى تحيط به خطاياه .
ومن لم يأمن عقاب اللّه ، ولم ييأس من رحمة اللّه ، يكون جديرا بأن يراقب قلبه ، ويحاسب نفسه على خواطره ، ويعاقب نفسه على هفواته ، لتظلّ على صراط العدل المستقيم ، متجنّبة الإفراط والتّفريط ، ويتحرّى أن يكون دائما بين خوف يحجزه عن المعاصي ، ورجاء يحمله على الطّاعات ، ويساعدنا على ذلك .
الأمر الثّاني : وهو تذكر حشرنا إليه عزّ وجلّ ، ومحاسبته إيّانا على أعمالنا القلبيّة والبدنيّة ، ومجازاته إيّانا عليها إمّا بالعذاب الأليم ، وإمّا بالنّعيم المقيم ، وهذا منه مقتضى الفضل ، وذلك أثر العدل .
هامش
( 1 ) هذا جمع القنّينة ، وهي وعاء من زجاج يجعل فيه الشّراب والحجم الوسيط .