الفرصة الّتي هو واجدها ، وهي التّمكّن من إخلاص القلب ومعالجة أدوائه وعلله ، وردّه سليما كما يريده اللّه تعالى ، فكأنّه سبحانه بعد أن أمرهم بإجابة الرّسول عليه الصّلاة والسّلام ، أشار لهم إلى اغتنام الفرصة من إخلاص القلوب للطّاعة . وشبّه الموت بالحيلولة بين المرء وقلبه الّذي به يعقل في عدم التّمكّن من علم ما ينفعه علمه ، وإلى هذا ذهب الجبّائيّ .
وقال غير واحد : إنّه استعارة تمثيليّة لتمكّنه تعالى من قلوب العباد ، فيصرفها كيف يشاء بما لا يقدر عليه صاحبها ، فيفسخ عزائمه ، ويغيّر مقاصده ، ويلهمه رشده ، ويزيغ عن الصّراط السّويّ قلبه ، ويبدله بالأمن خوفا ، وبالذّكر نسيانا . وذلك كمن حال بين شخص ومتاعه ، فإنّه القادر على التّصرّف فيه دونه .
وهذا كما في حديث شهر بن حوشب عن أمّ سلمة ، وقد سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن إكثاره الدّعاء ب « يا مقلّب القلوب ، ثبّت قلبي على دينك » فقال لها : « يا أمّ سلمة إنّه ليس آدميّ إلّا وقلبه بين إصبعين من أصابع اللّه تعالى ، فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ » .
ويؤيّد هذا التّفسير ما أخرجه ابن مردويه عن ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما ، قال : سألت النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن هذه الآية ، فقال عليه الصّلاة والسّلام : « يحول بين المؤمن والكفر ، ويحول بين الكافر والهدى » .
ولعلّ ذلك منه عليه الصّلاة والسّلام اقتصار على الأمرين اللّذين هما أعظم مدار للسّعادة والشّقاوة ، وإلّا ، فهذا من فروع التّمكّن الّذي أشرنا إليه ، ولا يختصّ أمره بما ذكر ، وقد حال سبحانه بين العدليّة وبين اعتقاد هذا ، فعدلوا عن سواء السّبيل .
وبيّن بعض الأفاضل ربط الآيات على ذلك ، بأنّه تعالى لمّا نصّ بقوله عزّ من قائل :
لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ
إلخ ، على أنّ الإسماع لا ينفع فيهم تسجيلا على أولئك الصمّ البكم ، منّ على المؤمنين بما منحهم من الإيمان ، ويسّر لهم من الطّاعة ، كأنّه قيل : إنّكم لستم مثل أولئك المطبوعين على قلوبهم ، فإنّهم إنّما امتنعوا عن الطّاعة ، لأنّهم ما خلقوا إلّا للكفر ، فما تيسّر لهم الاستجابة ، وكلّ ميسّر لما خلق له ، فأنتم لمّا منحتم الإيمان ووفّقتم للطّاعة فاستجيبوا للّه وللرّسول إذا دعاكم ، لما فيه حياتكم من مجاهدة الكفّار ، وطلب الحياة الأبديّة ، واغتنموا تلك الفرصة ، واعلموا أنّ اللّه تعالى قد يحول بين المرء وقلبه ، بأن يحول بينه وبين الإيمان ، وبينه وبين الطّاعة ، ثمّ يجازيه في الآخرة بالنّار .
وتلخيصه أوليتكم النّعمة فاشكروها ولا تكفروها ، لئلّا أزيلها عنكم انتهى .
ولا يخفى ما فيه من التّكلّف .
وقيل : إنّ القوم لمّا دعوا إلى القتال والجهاد ، وكانوا في غاية الضّعف والقلّة ، خافت قلوبهم وضاقت صدورهم ، فقيل لهم : قاتلوا في سبيل اللّه تعالى إذا دعيتم .
واعلموا أنّ اللّه يحول بين المرء وقلبه ، فيبدّل الأمن خوفا ، والجبن جرأة .
وقرئ ( بين المرّ ) بتشديد الرّاء على حذف الهمزة ، ونقل حركتها إليها ، وإجراء الوصل مجرى الوقف .
( 9 : 191 )
رشيد رضا : هذا تنبيه لأمرين عظيمين ، أمرنا اللّه