المشهورة إلى الكوفيّين ، وردّ ما سواهما بقوله : « وما عدا ذلك فلغات لا تجوز القراءة بها ، لأنّا لا نعلم قارئا قرأ بها » .
والغريب أنّه روى قراءة ابن مسعود « حاش للّه » بسكون الشّين ، وتعقّبه قائلا : « يجمع بين السّاكنين » ، فكيف جهل من كان يقرأ دون تلكما القراءتين ؟ !
3 - إن قيل : كيف قالت النّسوة :
حاشَ لِلَّهِ
وهنّ من قوم وثنيّين لا يعرفون اللّه ولا يعبدونه ؟
قلنا : هذا حكاية عن حالهنّ في ذلك الموقف لقوم يعبدونه ، فعبّر به عمّا يعرفونه بلسانهم .
ثانيا : أنّ
قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ
في ( 2 ) استعملت في نفي السّوء عن يوسف ، وفيها بحوث :
1 - شهدت النّسوة ليوسف بعفّته وطهارته ممّا اتّهم به ، وكان قد حملهنّ على الاعتراف ليشهدن له على قول امرأة العزيز بحضوره وحضورهنّ :
وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ
يوسف : 32 ، فقال :
ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ
يوسف : 50 ؟ وهو يريد اعترافها بخطيئتها ، فاعترفت صاغرة :
أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ .
وهو من حنكة يوسف وحسن تدبيره ، بإلهام وتسديد من اللّه ، وهو قوله :
كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ
يوسف : 76 .
2 - وردت
قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ
في سورة يوسف فقط ، وهي حكاية عن النّسوة حول تنزيه يوسف عن البشريّة تارة ، وعن السّوء تارة أخرى . غير أنّ ( 1 ) سبقت بالواو ، وهي واو العطف ، عطف على
وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ .
ولم تسبق ( 2 ) بشيء ، لأنّها استئناف بيانيّ جوابا للسّؤال :
قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ؟
3 - قال المصطفويّ : إنّ الجارّ في
قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ
متعلّق ب ( قلن ) ، ثمّ احتمل تعلّقه ب ( حاش ) مع أنّ هذا هو المتعيّن بحجّة ما جاء في اللّغة « حاش لفلان » ، والأوّل لا يساوقه السّياق في الموردين .
4 - عمد يوسف بإرجاع التّهمة إلى النّسوة دون امرأة العزيز فقط حيث قال :
ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ
و
ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ
يوسف : 50 و 51 ، لأنّهنّ كنّ شريكات لامرأة العزيز في فرط محبّتهنّ وعشقهنّ به ، وفي الميل بل الدّعوة إلى الاستمتاع بيوسف حيث صرّح يوسف به بقوله :
رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ
يوسف : 33 ، وكان هذا يقوّي حجّة يوسف أمام العزيز ببرائته ممّا اتّهم به .
5 - أبى يوسف عليه السّلام أن يخرج من السّجن بأمر الملك حين قال :
ائْتُونِي بِهِ
وهو مطأطئ الرّأس ، متّهما بما رمي به ، فقال لرسوله :
ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ ،
إمعانا منه بالذّبّ عن حقّه ، وإثبات براءته ، وردّا لمنّته عليه . ولمّا تحقّق له ما أراد بانتزاع شهادة النّسوة له ببراءته
حاشَ لِلَّهِ ،
واعتراف المتّهم بجنايته
أَنَا راوَدْتُهُ ،
خرج من السّجن مرفوع الرّأس ، بريئا ممّا رمي به ، فأجاب نداء الملك الّذي بعث إليه رسوله مرّة أخرى قائلا :
ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي .
فمشى إليه معزّزا مكرّما ، وليس لأحد في مصر عليه فضل ولا منّة ، سوى فضل اللّه ؛ إذ قال شاكرا ربّه :
وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ
يوسف : 100 .