الرّابع الهجريّ « 1 » ، عقب اكتشاف قبر الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام عام 170 ه ، وهجرة النّاس إلى النّجف زرافات ووحدانا من كلّ حدب وصوب ، فتكوّنت هذه المدينة على مرّ الأيّام وتوسّعت .
غير أنّ الحوزة العلميّة في النّجف لم تكتسب شهرتها وتبلغ ذروتها ، إلّا بعد هجرة الشّيخ أبي جعفر الطّوسيّ رحمه اللّه إليها عام 449 ه ، حيث مكث فيها بعد قدومه من بغداد ، واشتغل بالتّدريس والتّأليف حتّى وفاته عام 460 ه ، فدفن فيها ، ولا يزال قبره قائما إلى يومنا هذا .
ولعلّ سبب تسمية هذه المراكز العلميّة بالحوزة هو قولهم : حوزة الملك : بيضته ، لأنّ الحوزة تحمي بيضة الإسلام ببثّ تعليماته ، وتدحض الشّبهات الّتي تحوم حوله وتدرأها .
الاستعمال القرآنيّ
جاء منها « متحيّزا » مرّة في آية :
وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ . . .
الأنفال : 16
يلاحظ أوّلا : أنّ « متحيّزا » وحيد الجذر في القرآن ، وفيه بحوث :
1 - فسّر بالانحياز والزّوال والتّنحّي والانضمام ، وقد نهى اللّه المؤمنين هنا عن الفرار عند لقاء العدوّ ، وأوعد من يفعل ذلك منهم بغضب اللّه ودخول جهنّم . ولكنّه استثنى من ذلك حالتين ، فقال :
إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ ،
أي إلّا من يعدل من جهة إلى جهة ، أو من يتنحّى عن جماعة وينضمّ إلى جماعة أخرى من المؤمنين يقاتل معهم العدوّ .
2 - نصب ( متحرّفا ) ، و ( متحيّزا ) على الحال ، فتكون ( الّا ) لغوا غير عاملة ، وجوّز الزّجّاج نصبهما على الاستثناء ، فتكون ( الّا ) عاملة . وردّه الآلوسيّ ، واعتبر ( الّا ) لغوا ، معلّلا ذلك بقوله : « لأنّه استثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال ، ولولا التّفريغ لكانت عاملة أو واسطة في العمل على الخلاف المشهور . وشرط الاستثناء المفرّغ أن يكون في النّفي أو صحّة عموم المستثنى منه ، نحو : قرأت إلّا يوم كذا ، ومنه ما نحن فيه » .
3 - قال الزّجّاج : « أصل ( متحيّزا ) متحيوز ، فأدغمت الياء في الواو » . وتبعه آخرون ، ومنهم الزّمخشريّ فقال :
« وزن متحيّز ( متفيعل ) لا ( متفعّل ) ، لأنّه من : حاز يحوز ، فبناء ( متفعّل ) منه متحوّز » .
وقال الآلوسيّ : « تعقّب بأنّ الإمام المرزوقيّ ذكر أنّ تديّر ( تفعّل ) مع أنّه واويّ ، نظرا إلى شيوع ديار ، وعليه فيجوز أن يكون تحيّز ( تفعّل ) ، نظرا إلى شيوع الحيز بالياء ، فلهذا لم يجئ تدوّر وتحوّز .
وذكر ابن جنّيّ أنّ ما قاله هذا الإمام هو الحقّ ، وأنّهم
هامش
( 1 ) يرى بعض المحقّقين أنّ حوزة النّجف العلميّة كانت قائمة قبل مجيء الشّيخ الطّوسيّ إليها ، ومنهم الشّهيد محمّد باقر الصّدر قدّس سرّه ، راجع كتاب المعالم الجديدة ( 64 ) . ويرى بعض آخر أنّ الشّيخ الطّوسيّ رحمه اللّه هو الّذي أسّسها ، ومنهم الشّيخ أقا بزرك الطّهرانيّ قدّس سرّه ، راجع مقدّمة تفسير « التّبيان » للشّيخ الطّوسيّ . ونحن نحيل القارئ الكريم على كتاب موسوعة النّجف الأشرف ( 6 :
21 - 58 ) ؛ إذ عرصت فيه أقوال كلا الفريقين ، ليحيط بها عن كتب .