تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
فالاستثناء منقطع أيضا . وعلى التّقديرين لم يكن للتّدبير فائدة سوى دفع الخاطرة . وأمّا إصابة العين فإنّما لم تقع لكونها غير مقدّرة عليهم ، لا لأنّها اندفعت بذلك مع كونها مقضيّة عليهم . ( 3 : 413 ) نحوه البروسويّ ( 4 : 296 ) ، والآلوسيّ ( 13 : 21 ) . مغنيّة : اختلف المفسّرون في تحديد هذه الحاجة الّتي قضاها اللّه ليعقوب ، فمن قائل : أن لا يصاب أولاده بالعين عند دخولهم إلى مصر . وقائل : أن لا ينالهم العزيز بسوء إلخ . . . والّذي نراه استنادا إلى طبيعة الحال ، وإلى الآيات الدّالّة على حرصه ولهفته على يوسف وأخيه : أنّ الحاجة الأولى والأخيرة ليعقوب من هذه الحياة كانت سلامة يوسف وأخيه ، واجتماعه بهما قرير العين ، وقد أتمّ اللّه له ما أراد على أحسن حال . ( 4 : 338 ) ابن عاشور : والاستثناء في قوله
إِلَّا حاجَةً
منقطع ، لأنّ الحاجة الّتي في نفس يعقوب عليه السّلام ليست بعضا من الشّيء المنفيّ إغناؤه عنهم من اللّه ، فالتّقدير : لكن حاجة في نفس يعقوب عليه السّلام قضاها . . . والحاجة : الأمر المرغوب فيه . سمّي حاجة ؛ لأنّه محتاج إليه ، فهي من التّسمية باسم المصدر . والحاجة الّتي في نفس يعقوب عليه السّلام هي حرصه على تنبيههم للأخطار الّتي تعرض لأمثالهم في مثل هذه الرّحلة ، إذا دخلوا من باب واحد ، وتعليمهم الأخذ بالأسباب مع التّوكّل على اللّه . ( 12 : 94 ) الطّباطبائيّ : قيل : إنّ ( إلّا ) بمعنى ( لكن ) ، أي لكن حاجة في نفس يعقوب قضاها اللّه ، فردّ إليه ولده الّذي فقده وهو يوسف . ولا يبعد أن يكون « الّا » استثنائيّة ، فإنّ قوله :
ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ
في معنى قولنا : لم ينفع هذا السّبب يعقوب شيئا ، أو لم ينفعهم جميعا شيئا ، ولم يفض اللّه لهم جميعا به حاجة إلّا حاجة في نفس يعقوب . وقوله : ( قضيها ) استئناف وجواب سؤال ، كأنّ سائلا يسأل فيقول : ماذا فعل بها ؟ فأجيب بقوله : ( قضيها ) . ( 11 : 220 ) مكارم الشّيرازيّ : إنّ الفائدة والثّمرة الوحيدة الّتي ترتّبت على تلك النّصيحة ليس
إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها ،
وهذه إشارة إلى أنّ أثرها لم يكن سوى الهدوء والطّمأنينة الّتي استولت على قلب الأب الحنون الّذي بعد عنه أولاده ، وبقي ذهنه وفكره مشغولا بهم وبسلامتهم ، وخائفا عليهم من كيد الحاسدين وشرور الطّامعين ، فما كان يتسلّى به في تلك الأيّام لم يكن سوى يقينه القلبيّ بأنّ أولاده سوف يعملون بنصيحته . ( 7 : 233 ) فضل اللّه : حاجة في نفس يعقوب ! وبذلك استطاع أن يوحي لنفسه بالثّقة ، فارتاحت مشاعره من الشّكّ والقلق ، وانسابت عاطفته ، لتحتوي أولاده كلّهم من جديد ، عندما أراد أن يودّعهم ، فقد خاف عليهم من حسد الحاسدين ، لما يمكن أن يثيره دخولهم دفعة واحدة إلى المجلس الّذي يجتمع إليه النّاس من الدّهشة والإعجاب بهذه المجموعة ، من الإخوة الرّجال الّذين يملكون القوّة في الجسد والتّوافق في الرّأي ، والوحدة في الموقف ، فأراد أن ينصحهم بنصيحة أبويّة