فمعنى
فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها
وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ :
فأبين إلّا أن يؤدّينّها ، وأبى الإنسان إلّا أن يكون محتملا لها لا يؤدّيها . ( 3 : 277 )
نحوه أبو حيّان . ( 7 : 254 )
ابن عطيّة : حمل الإنسان الأمانة ، أي التزم القيام بحقّها ، وهو في ذلك ظلوم لنفسه جهول بقدر ما دخل فيه ، وهذا هو تأويل ابن عبّاس وابن جبير .
وقال الحسن :
حَمَلَهَا
معناه خان فيها ، والآية في الكافر والمنافق ، والعصاة على قدرهم .
وقال ابن عبّاس والضّحّاك وغيره :
الْإِنْسانُ
آدم تحمّل الأمانة ، فما تمّ له يوم حتّى عصى المعصية الّتي أخرجته من الجنّة .
وروي أنّ اللّه تعالى قال له : « يا آدم إنّي عرضت الأمانة على السّماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ، فتحمّلها أنت بما فيها » . قال : وما فيها ؟ قال : « إن أحسنت أجرت وإن أسأت عوقبت » ، قال : نعم قد حملتها . قال ابن عبّاس : فما بقي له قدر ما بين الأولى إلى العصر حتّى عصى ربّه . ( 4 : 402 )
الطّبرسيّ : أي فأبى أهلهنّ أن يحملوا تركها وعقابها والمآثم فيها . [ ثمّ نقل قول الزّجّاج والحسن وأضاف : ]
وأنشد بعضهم في حمل الأمانة بمعنى الخيانة قول الشّاعر :
إذا أنت لم تبرح تؤدّي أمانة * وتحمل أخرى أفرحتك الودائع
وأقول : إنّ الظّاهر لا يدلّ على ذلك ، لأنّه يجوز أن يكون المراد بالحمل هنا : قبول الأمانة ، لأنّ الشّاعر جعله في مقابلة الأداء ، فكأنّه قال : إذا كنت لا تزال تقبل أمانة وتؤدّي أخرى ، شغلت نفسك بقبول الودائع وأدائها فأثقلتك . ( 4 : 373 )
الفخر الرّازيّ : وفي الآية مسائل : [ إلى أن قال : ]
المسألة السّادسة : كيف حملها الإنسان ولم تحملها هذه الأشياء ؟ فيه جوابان :
أحدهما : بسبب جهله بما فيها وعلمهنّ ، ولهذا قال تعالى :
إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا .
والثّاني : أنّ الأشياء نظرت إلى أنفسهنّ فرأين ضعفهنّ فامتنعن ، والإنسان نظر إلى جانب المكلّف ، وقال : المودع عالم قادر لا يعرض الأمانة إلّا على أهلها ، وإذا أودع لا يتركها بل يحفظها بعينه وعونه فقبلها ، وقال :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ .
وقوله تعالى : [ إلى أن قال : ]
قوله تعالى :
فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها ،
وقوله تعالى :
وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ
إشارة إلى أنّ فيه مشقّة ، بخلاف ما لو قال : فأبين أن يقبلنها وقبلها الإنسان . ومن قال لغيره : افعل هذا الفعل فإن لم يكن في الفعل تعب يقابل بأجرة ، فإذا فعله لا يستحقّ أجرة ، فقال تعالى :
وَحَمَلَهَا
إشارة إلى أنّه ممّا يستحقّ الأجر عليه ، أي على مجرّد حمل الأمانة ، وأمّا على رعايتها حقّ الرّعاية فيستحقّ الزّيادة .
فإن قيل : فالكلّ حملوها ، غاية ما في الباب أنّ