تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته — صفحة 835

مساهمون:

ص٨٣٥
يتعلّق به الحمد منه سبحانه ، فللّه سبحانه جنس الحمد وله سبحانه كلّ حمد . ثمّ إنّ الظّاهر من السّياق وبقرينة الالتفات الّذي في قوله :
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
إنّ السّورة من كلام العبد ، وإنّه سبحانه في هذه السّورة يلقّن عبده حمد نفسه ، وما ينبغي أن يتأدّب به العبد عند نصب نفسه في مقام العبوديّة ، وهو الّذي يؤيّده قوله :
الْحَمْدُ لِلَّهِ .
وذلك أنّ الحمد توصيف ، وقد نزّه سبحانه نفسه عن وصف الواصفين من عباده ؛ حيث قال :
سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ
الصّافّات : 159 ، 160 ، والكلام مطلق غير مقيّد ، ولم يرد في كلامه تعالى ما يؤذن بحكاية الحمد عن غيره ، إلّا ما حكاه عن عدّة من أنبيائه المخلصين ، قال تعالى في خطابه لنوح عليه السّلام :
فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
المؤمنون : 28 ، وقال تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السّلام :
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ
إبراهيم : 39 ، وقال تعالى لنبيّه محمّد صلّى اللّه عليه وآله في بضعة مواضع من كلامه :
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ
النّمل : 93 ، وقال تعالى حكاية عن داود وسليمان عليهما السّلام :
وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ
النّمل : 15 ، وإلّا ما حكاه عن أهل الجنّة وهم المطهّرون من غلّ الصّدور ، ولغو القول والتّأثيم ، كقوله :
وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
يونس : 10 . وأمّا غير هذه الموارد فهو تعالى وإن حكى الحمد عن كثير من خلقه بل عن جميعهم ، كقوله تعالى :
وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ
الشّورى : 5 ، وقوله :
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ
الرّعد : 13 ، وقوله :
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
الإسراء : 44 . إلّا أنّه سبحانه شفّع الحمد في جميعها بالتّسبيح ، بل جعل التّسبيح هو الأصل في الحكاية وجعل الحمد معه ، وذلك أنّ غيره تعالى لا يحيط بجمال أفعاله وكمالها ، كما لا يحيطون بجمال صفاته وأسمائه ، الّتي منها جمال الأفعال ، قال تعالى :
وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً
طه : 110 ، فما وصفوه به فقد أحاطوا به ، وصار محدودا بحدودهم مقدّرا بقدر نيلهم منه ، فلا يستقيم ما أثنوا به من ثناء ، إلّا من بعد أن ينزّهوه ويسبّحوه عن ما حدّوه وقدّروه بأفهامهم ، قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
النّحل : 74 . وأمّا المخلصون من عباده تعالى فقد جعل حمدهم حمده ، ووصفهم وصفه ، حيث جعلهم مخلصين له ، فقد بان أنّ الّذي يقتضيه أدب العبوديّة أن يحمد العبد ربّه بما حمد به نفسه ، ولا يتعدّى عنه ، كما في الحديث الّذي رواه الفريقان عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك » فقوله في أوّل هذه السّورة :
الْحَمْدُ لِلَّهِ ،
تأديب بأدب عبوديّ ، ما كان للعبد أن يقوله لولا أنّ اللّه تعالى قاله نيابة وتعليما لما ينبغي الثّناء به . ( 1 : 19 ) مكارم الشّيرازيّ : ولفهم عمق هذه العبارة وعظمتها يلزمنا توضيح الفرق بين « الحمد » و « المدح » و « الشّكر » والنّتائج المترتّبة على ذلك :